بألحان متناغمة وكلمات عبرية

هكذا طوَّرت «كتائب القسام» حربها النفسية ضد إسرائيل

الثلاثاء 25 أبريل 2017 04:38 م بتوقيت القدس المحتلة

هكذا طوَّرت «كتائب القسام» حربها النفسية ضد إسرائيل

غزة - ميرفت عوف 

في إطار الحرب النفسية لمهاجمة العدو، ورفض التنسيق الأمني، بحثت حركة حماس في غزة، عن وسائل لإيصال رسائلها المتعددة للمجتمع والحكومة الإسرائيليين، لتخرج اليوم بتشكيلةٍ من الرسائل الذكية المتلاحقة.

لقد أصبح بإمكاننا الحديث عن انتهاج «حماس» سياسة بثّ الفيديوهات لعملياتها العسكرية، والأغاني العبرية، ومقاطع التسجيل الصوتي، لإيصال رسائلها داخل العمق الإسرائيلي؛ سواءً بخلق حالةِ رُعبٍ لدى الإسرائيليين في إطار «الحرب النفسية»، أو نزع قرارات إسرائيلية لصالحها كما يحدث الآن في تحريك قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حماس.

نظَّمت أدواتها ونفذت رسائلها بإبداعٍ وصل إلى حد انبهار الإسرائيليين بكلماتِ أغانيها وألحانِها، ليستمعوا لها في المنازل والسيارات، وقد ساهمت وسائل الإعلام الجديدة، ومواقع التواصل الاجتماعي في تسهيل المهمَّة لاختراق المجتمع الإسرائيلي المعسكر.

«حكومتكم تكذب».. وليست هذه المرة الأولى

لم تنس إسرائيل الضربة الموجعة التي تلقتها عندما أجبرت على التنازل والقبول بصفقة «وفاء الأحرار» التي عرفت أيضًا بـ«صفقة شاليط» عام 2011، وأفرجت فيها عن ألف أسير فلسطيني، لذلك منذ أعلن في عدوان 2014 على قطاع غزة عن أسرى إسرائيليين لدى حماس، كانت تنفي ذلك؛ بل أكدت مقتل الجنديين «هدار غولدن» و«شاؤول آرون»، ثم التزمت الصمت التام.

هذا الوضع دفع حماس لاتخاذ خطوات حذرة، بحيث تكذِب الحكومة الإسرائيلية أمام مواطنيها دون أن تعطي تفاصيل حول مصيرهم بدون مقابل، فكانت أول الخطوات في الحرب النفسية إخراج إعلان يضم صورًا لأربعة جنود إسرائيليين، ويشير إلى أنهم أسرى لدى كتائب القسام، أقامت الحركة أيضًا مجسَّمًا للدبابة في ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، احتوى على ثلاث قلائد، إحداها ضمت صورة الجندي «شاؤول».

أرادت حماس تكذيب الحكومة الإسرائيلية بالإيحاء بأن هناك جنودًا أحياء، بهدف ضرب ذوي الجنود وتحديدًا عائلتي الأسيرين هدار جولدن وشاؤول أرون بالحكومة الإسرائيلية، ومن ثم تحريك ملف المفاوضات للخروج بصفقةٍ مُشرِّفة للمقاومة، وقد نجحت ضغوط هذه العائلات حتى الآن بدفع ما يعرف بـ «وزارة الحرب الإسرائيلية» لتغير تصنيف الجنديين  إلى مفقودين، بدلًا من قتيلين لا يعرف مكان دفنهما.

وفي استعراض لأهم ما خرج لتحقيق الهدف السابق، نشرت قناة «حريكة تيوب» الفلسطينية في أغسطس (آب) 2015الفيلم الكرتوني الهزلي «55 بطات» باللغة العبرية، الذي حمل رسائل للشارع الإسرائيلي، وخاصة إلى ذوي الأسرى، ونقدًا لاذعًا لقادة هذا الشارع من العسكريين والسياسيين، إذ يظهر أن العدد الحقيقي للجنود المفقودين في قطاع غزة، هو خمسة جنود إسرائيليين وليس اثنين قتلا كما تقول الحكومة الإسرائيلية، ويطرق الفيلم الكرتوني القصير باب المكان المجهول الذي تخبّئ فيه المقاومة أسراها.

الحلقة الأخيرة، كانت قبل أيام قليلة، عندما ترنَّم الإعلام المقاوم بأغنية عبرية تزامنت مع إضراب الأسرى الفلسطينيين،  لتحقق هدف إضافي للضغط على الحكومة الإسرائيلية، وهو بثّ الحماس في صفوف الأسرى بأن صفقة قادمة ستحررهم، فقد أخرجت دائرة الإعلام العسكري التابعة للقسام الخميس الماضي، مقطعًا مصورًا لأغنية موجهة إلى عائلات الجنديين  الأسيرين بعنوان «حكومتكم تكذب عليكم.. رسالة من جنود العدو الأسرى لعائلاتهم»، وتظهر الأغنية ومدتها ثلاث دقائق ونصف حوار تمثيلي بين الجنديين غولدن وآرون مع والديهما، وجاء في الأغنية: «أمي أمي أنا هنا، لماذا يقولون إنني ميت؟». وتتابع: «أبي، أمي.. افعلوا كل شيء لكي تظهر الحقيقة.. أنا في أسر القسام، أرجوكم أنقذوني». كما تضمنت الأغنية: «كفى كذبًا، أرسلتني الدولة لأحارب من أجلها، وبعد الأسر أهملوني».

رسائل.. لردع عدوان جديد

«سنخرج في كل مرة للعدوّ من حيث لا يحتسب، وما عملية (نذير الانفجار) بنوعيتها واختراقها لكل إجراءات العدو الأمنية والعسكرية إلا دليلٌ على أن خيارات القسام ما زالت واسعة، ولن يقف في طريقها سياجٌ أو حدودٌ أو تحصينات عسكرية»، رافق هذا التعقيب لكتائب القسام الفيديو الذي نشر أمس الأحد، ويحتوي على لقطات مصورة تظهر التجهيزات التي سبقت عملية «نذير الانفجار»، التي وقعت قبل عدة سنوات قرب موقع كرم أبو سالم العسكري الإسرائيلي، في جنوب شرق قطاع غزة.

 

بعد تسع سنوات بالتحديد من وقوع تلك العملية، أخرجت كتائب القسام الفيديو الخاص من جعبتها للاستخدام في إطار الحرب النفسية ضد إسرائيل، فظهور موقع عسكري إسرائيلي محصَّن تتلاحق فيه مشاهد الانفجارات الضخمة ما هو إلا دليل «نجاح أمني واستخباري لكتائب القسام، فيما هو فشل للجيش الصهيوني بالمقابل» كما تقول كتائب القسام.

يأتي هذا الفيديو ضمن سلسلة خاصة تهدف لردع إسرائيل عن خوض معركة جديدة ضد حماس في أعقاب تحركات التصعيد الإسرائيلي الأخيرة، وكما جاء في موقع صحيفة  «يديعوت أحرونوت» أن: «تكتيكات الدعاية التي تتبعها حركة  حماس وحرصها على إعداد (كليبات) بالعبرية ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تأتي ضمن محاولات لردع المجتمع الإسرائيلي، ومنع المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي من التفكير في خوض معركة جديدة ضد حماس».

أما فيديو الرسوم المتحركة الذي خرج في فبراير (شباط) الماضي، وحَمَلَ عنوان «يا صهيوني.. ستموت في غزة»، فقد هدف القسام خلال 3.55 دقائق وبلحن غنائي مزج بين التفاعلية والحركة، مع الحزن والأسى إلى توعد الجيش الإسرائيلي بمواجهة مصير مظلم حال واصل عدوانه على القطاع، وقد جاء في الأغنية «يا فدائي.. استعد لإطلاق النار.. يا صهيوني سيصلك الصاروخ أينما كنت تسكن، سواء كنت نائمًا أو مستيقظًا في البيت، أو فوق الجبل. سأسقيك كأس الموت بمذاقه المر».

يشار إلى أنّ الإسرائيليين قد تداولوا هذه الأغنية بشكلٍ كبير، وانتشرت بين الجنود الإسرائيليين، متجاوزةً مقصّ الرقابة العسكرية بسبب وصلوها عبر واتساب وفيسبوك وإنستغرام، وقد وُصفت إسرائيليًّا بأنها الأقوى من بين الأعمال الموجهة السابقة، يقول الصحافي الإسرائيلي «أليؤور ليفي»: «لا شك في أن هذا الفيديو يعدُّ الأقوى من بين إنتاجات حركة حماس منذ أغنية (اضرب نفذ عمليات) التي نشرتها أيام العدوان على غزة عام 20144، بل هو هائل».

2014 .. نقطة تحول 

يُسجل عام 2014 بدايةً لاستخدام الفيديوهات والرسائل الصوتية والكارتون وغيرها في إيصال رسائل عدة، وتحديدًا خلال عدوان صيف 2014، إذ بدأ في تقديم محتوى مدروس دقيق، أحدث نقلة نوعية في إعلام القسام الذي يدير الحرب النفسية الأبرز مع الاحتلال الإسرائيلي.

ففي هذا العدوان، وبعد ساعات من أسر المقاومة الفلسطينية للجندي الإسرائيلي «شاؤول أرون»، ظهر المتحدِّث العسكري باسم كتائب القسام المكنى بـ «أبي عبيدة» وهو يشمِّرُ عن ساعديه، ويقف أمام خلفية تظهر مقاتل من القسام محكم قبضته على جندي إسرائيلي.

لقد ارتكزت العديد من الوسائل على إظهار الجبن لدى الجنود الإسرائيليين، ففي شهر مايو (أيار) 2015، انتشر فيديو للقسام على ألحان أغنيةٍ شهيرة للمطرب الإسرائيلي «زوهار أرجوف»، الذي انتحر في السجن الإسرائيلي عام 19877، تبعه (كليب) يعتمد على ألحان أغنيةٍ شهيرة للمطرب الإسرائيلي «إيال جولان» تخدم إظهار الشخصية الجبانة للإسرائيليين، وهو ما دفع الجيش الإسرائيلي للرد على فيديو «جولان» بآخر يعتمد على نفس الأغنية، لكنه يفنِّد فكرة الخوف لدى الإسرائيليين التي ركَّزت عليها حماس، وتعتبر أغنية «هاجم نفّذ عمليات» واحدة من أبرز الأغاني التي أخرجتها المقاومة بالعبرية، ولاقت رواجًا كبيرًا لدى الإسرائيليين الذين استمعوا إليها في سياراتهم ومنازلهم.

وقد شهد العمل الفني الذي يستهدف إسرائيل تطوُّرًا ملحوظًا من قبل إعلام المقاومة، سواء في صياغة الكلمات التي تراعي ثقافة الإسرائيليين، أو في آلية الوصول للجنود والمستوطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقول الصحافي الفلسطيني «محمد أبو قمر»: «يبدو أنّ من يقف خلف إعلام القسام وحدة متخصِّصة تضمُّ بين أفرادها أصحاب خبرة تراكمت لديهم على مدار السنوات الماضية، درسوا خلالها علم النفس، وكيفية التأثير في الرأي العام الإسرائيلي»، مضيفًا: «أن إعداد وإخراج المشاهد المصوَّرة يعتمد على خطة توظيفية وضعها مختصون، وتحمل رسائل ذات دلالة، ولا يقتصر الأمر على عمل هواة، إنما ينمُّ عن جهدٍ مدروس من حيث الشكل والمضمون والسيناريو والإخراج التلفزيوني، يقف خلفه أصحاب تجربة استفادت من تجارب الحروب السابقة، وتخصصوا بشكلٍ أفضل في مجال عملهم».

حربٌ فعالة رغم محدودية الإمكانات

الدعاية النفسية المضادَّة للعدوّ، هي ضرورة ثابتة في أي صراع، وانتهاجها ينبغي ألا تحول دونه الممكنات، هذا ما اقتنعت به «حماس» فيما يبدو، وقام عليه إعلام جناحها العسكري «كتائب القسام».

لذلك يعتقد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني «ساري عرابي» أنَّه رغم عدم امتلاك كتائب القسّام لإمكانات الإسرائيليين، إلا أنها تقوم بما هو مطلوب في حدود إمكاناتها، ويضيف: «ثمة اهتمام متزايد لدى كتائب القسام في هذا الجانب، وهي تحقق بذلك تطورًا مطردًا بتقادم الوقت، ومن الصعب أن تأخذ الدعاية النفسية التي تشنها القسَّام مفاعيل سريعة، ولكن العملية تراكمية، المهم فيها الاستمرارية». يتابع لـ «ساسة بوست»: «المجتمع الصهيوني هو مجتمع معسكر، يعيش حياة المعسكر عمومًا، ويخضع للهيمنة الأمنية والعسكرية، ولذلك ليس من السهل التأثير فيه؛ لقدرة منظومة الرقابة الأمنية والعسكرية على ضبطه، لا سيما إذا أضيف إلى ذلك حواجز اللغة والثقافة».

وفيما يتعلق بأهداف القسام من فيديو الأسرى الأخير، يقول عرابي إن: «الهدف هو التأثير في المجتمع الصهيوني، وعائلات الأسرى للضغط على حكومة نتنياهو، هذا التأثير بطيء لكنه بدأ يأخذ فاعلية أخيرًا، وقد لاحظنا أثر فيدير الأسرى الأخير على وجه التحديد».

من جانبه، يرى الخبير في الحرب النفسية الإسرائيلي «رون شلايفير» أن حركة حماس رغم الضغوط الكبيرة عليها نجحت في إدارة حرب نفسية فعّالة ضد إسرائيل منذ بداية عام 20144، ويتوافق مع ذلك الخبير في الحرب الدعائية «أودي ليبيل»الذي قال: «إنه من المتوقع أن تتقدم حماس في هذه الحرب؛ لأن الجهة الأضعف عسكريًّا تبحث دائمًا عمَّا يعوِّضها، فإسرائيل متخلفة جدًّا في هذا النوع من الحرب لاعتقادها خطأً أن قوتها العسكرية كافية».

المصدر : ساسة بوست