قائمة الموقع

الحاضنة الشعبية الدرع الحامي.. "شعفاط والتميمي" تجربة تستحق الوقوف

2023-08-23T09:56:00+03:00

بقلم: وسام البردويل

قالوا إن جيش المرء عائلته ويتعافى المرء بأهله، ومن أدرك المعاني التي تحملها تلك الكلمات استمد القوة والدعم والثقة والأمن والاطمئنان منها، وما عاد لسلوك الطرق الوعرة وما تحمله من مخاطر أي قيمة أمام تحقيق الهدف المنشود والغاية المرجوة، فكيف إن كانت تلك الغاية هي مقاومة المحتل واسترداد الأرض المغصوبة؟!

وبإسقاطات المعاني للكلمات الأولى فإن الحاضنة الشعبية تمثل العائلة والأهل لكل من أراد سلوك طريق المقاومة على طريقته التي يبدع فيها، فكل فرد في المجتمع الفلسطيني مقاوم إلا من أبى، وكذا كل فرد هو حاضنة لابنه وأخيه وجاره وابن حيه وابن وطنه حين تتوالى المدلهمات وتتنادى الخطوب.

وبما أن للحاضنة الشعبية دور كبير في تعزيز ودعم الفرد والمشروع المقاوم، فإنها تمثل الدائرة الأخطر في حسابات كيان الاحتلال، الذي يعمل ليل نهار على فصل وعزل المقاوم عن عائلته وأهله بطرق مختلفة، وإن كان الاستهداف للمقاوم الفلسطيني يحمل صفة الموسمية أو ردات الفعل فإن الاستهداف للحاضنة الشعبية يتصف بالديمومة والكثافة.

ورغم ديمومة وكثافة وتعدد طرق الاستهداف للحاضنة الشعبية على مدار السنين، فإن الشعب الفلسطيني يثبت في كل محطة من محطاته النضالية أنه عصيٌ على الكسر، وغير قابلٍ للتطويع للهزيمة.

وأمام الدور الكبير للحاضنة الشعبية وتزامنا مع تصاعد العمل المقاوم في الضفة الغربية على وجه الخصوص، أصبح لزاماً أن نعيد دراسة التجارب النضالية السابقة وأن نستلهم من التاريخ ما يمكننا من الاستفادة من تلك التجارب لتطويرها بما يتلاءم مع واقعنا حفظاً للمشروع المقاوم والفرد الفلسطيني الثائر.

ولعلي لا أعود كثيراً للوراء رغم وجود تجارب نضالية كبيرة في التاريخ الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني حتى يومنا هذا، وفضلت طرح تجربة احتضان مخيم شعفاط بالقدس المحتلة للشهيد عدي التميمي لقرب زمانها ولتشابه أحداثها مع ما نشهده في هذه الأيام.

فقد ظهر الشهيد عدي التميمي في وقت صعب تعيشه القدس والمسجد الأقصى، في ظل الاعتداء على المرابطات والفتيات المقدسيات، ونفذ عملية إطلاق نار على حاجز مخيم شعفاط قتل فيها أحد جنود الاحتلال وأصاب اثنين آخرين، بأسلوب إبداعي وتمكن منقطع النظير، قبل أن ينسحب من المكان دون تمكن الاحتلال من ملاحقته، ما جعله أيقونة ونموذج البطل الذي يحتذى به لدى كثير من أبناء الشعب الفلسطيني.

هذا النموذج الثائر وجد مخيماً مقدسياً يحتضنه ويرعاه ويشتت أنظار الاحتلال ومعاونيه عنه، رغم ما تعرض له من اعتداء وتنكيل واعتقال، فقد بدأ الاحتلال منذ اللحظة الأولى بفرض حصار عسكري على المخيم مدة أسبوع كامل، واجهه أبناء شعفاط بالمواجهات والاشتباكات والاضراب ورفض الذهاب للعمل، ما جعل الاحتلال يرضخ أمام تلك الإرادة ويرفع الحصار قبل أن يحقق غايته ويصل إلى التميمي.

لم يكن مواجهة الحصار المفروض هو الدور الوحيد للحاضنة الشعبية في اسناد الثائر المقدسي، وإنما كان لأصدقائه وأحبابه دور آخر عندما شرعوا بصورة عفوية وغير منظمة، بحلق رؤوسهم (على الصفر) تشبّها بعدي، وما إن بث مقطع الفيديو الذي يظهر هذا الفعل، حتى تدافع شبان آخرون للقيام بالمثل، بهدف حماية التميمي وتعقيد عملية البحث عنه، بعدما نشر الاحتلال صورته وهو أصلع.

وتواصل احتضان شعفاط لابنه عدي بعدما نشر شبان من المخيم رسائل تدعو عموم الشبان الفلسطينيين إلى التخاطب في ما بينهم باسم عدي، عسى أن يعيق ذلك الرقابة التي يفرضها الاحتلال على الاتصال في سعيه للوصول إلى التميمي، إضافة إلى استمرار الاتصال على مخابرات الاحتلال للتبليغ عن وجود طائرات في سماء المخيم، كنوع من تعميق التشتيت والإرهاق.

تلك الأساليب التي سطرها مخيم شعفاط رغم ما تعرض له من اعتداء وتنكيل من قوات الاحتلال أبرزت إبداع المقاومة وتعاضد الشعب ودوره الجوهري في تشتيت منظومة الاحتلال الأمنية والقدرة على إفشالها وإحباط وصولها للمطارين، ودليل ذلك عدم تمكن الاحتلال من اعتقال التميمي طيلة تلك الأيام حتى ترجل عدى ونفذ عملية إطلاق نار أخرى قرب مستوطنة "معاليه أدوميم"، قبل أن يرتقي شهيداً.

هذه التجربة التي عاشها عدي ومخيم شعفاط تلامس الواقع الحالي في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك، وما نشهده من تزايد الانتهاكات الصهيونية في الضفة الغربية، تزامنا مع تصاعد العمل المقاوم وظهور أبطال جدد يلقنون الاحتلال الدروس ويردون على تلك الانتهاكات رغم التشديدات الأمنية بصفعات قوية تربك حسابات هذا الكيان المحتل.

وكذا السياسات الإسرائيلية في التعامل مع مخيم شعفاط، تماثل الممارسات الحالية في التعامل مع المناطق التي تحدث فيها العمليات، إضافة إلى فتح المجال لقطعان المستوطنين بمعاقبة أهالي الحي والاعتداء على ممتلكاتهم كما حدث في حوارة وبرقة وترمسعيا وغيرها من البلدات الفلسطينية، كنوع من الردع والإرهاب.

وأمام تلك المعطيات كلها فإن الشيء المهم الذي يجب أن ندركه جيداً هو أن الاحتلال يدعي التفريق بين المقاوم وسواه ويحاول بث تلك المفاهيم عبر وسائل مختلفة، لكن في واقع الأمر فإن الفلسطيني في نظره إرهابي وأمامه خيارين لا ثالث لهما هما القتل أو الرضوخ والاستسلام.

جميل أن نعيش ما قاله الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود: "سأحمل روحي على راحتي *** وألقي بها في مهاوي الردى... فإمّا حياة تسرّ الصديق * * * وإمّا مماتٌ يغيظ العدى".

فلا نخاف من مسح تسجيل الكاميرات أو مواجهات الأخطار واحتضان المقاومين والدفاع عنهم وتحمل الأثمان ففلسطين غالية وتستحق منا الكثير.

 

 

 

اخبار ذات صلة