غزة/هداية محمد التتر
بجلسةٍ هادئة، وحذر مرتقب، كانت عائلة الربعي تجلس بمنزلها في شارع أبو حصيرة خلف مشفى الشفاء، إلا أن قذيفة دبابة صهيونية اخترق جدار المكان، وقلبت هدوءهم إلى صراخٍ لم يتوقف صداه حتى هذه اللحظة.
قذيفةٌ واحدة، خطفت حياة طفلين، وأصابت أربع أفراد آخرين، منهما إصابتان في حالة الخطر نقلوا على إثرها إلى مشفى المعمداني بمدينة غزة.
حفر في الجسد وبترٌ في القدم
في مشفى المعمداني، يجلس عبد المجيد الربعي (15 عامًا) على سرير العلاج وجسده مغطى بالشاش يخفي جروح غائرة وقدم مبتورة وفي يده ورقة يمسح بها دموع تسيل من عينه، حيث قال: "كنا نجلس في صالة المنزل، وإذا بقذيفة تخترق الحائط، أدت لاستشهاد شقيقتي وأخي الصغير، وإصابة أخي الآخر إصابة خطيرة، وأنا أصبت بحفر في جسدي وبترت قدمي وشظايا في عيني حتى إن دمي وصل إلى 4".
وناشد الربعي العالم بأن يساعدوه في الخروج للعلاج بالخارج، قائلًا: "فالطب هنا ضعيف والوضع الصحي صعب جدًا حتى إن سرير العلاج أحضرناه بأنفسنا من أحد المشافي الخاصة لعدم توفر أسرة كافية للمصابين".
سحابة من الغبار
تشرح والدة المصاب الربعي ما حدث معهم قائلةً: "عصر يوم الثلاثاء 19/3/2024 كنا نجلس بأمان الله في صالة منزل أختي الذي لجأت إليه بعد تنقلات عديدة ونزوح متكرر، وإذ بسحابة من الغبار الأسود تغطي المكان ولا نستطيع أن نرى أي شيء".
وأضافت والحزن يملأ قلبها: "ناديتُ على أبنائي ظنًا مني أنهم بخير، ومشيت باتجاه باب المنزل وإذا بالحجارة من السقف والجدران تتساقط علي، ردت ابنتي الكبرى فواصلت المشي وانتظرت خروجهم، وبعد تأخرهم في الخروج عدت وانا أتحسس الباب نظرًا لشدة الغبار الذي منع عنا الرؤية حتى فتحت الباب".
أجساد مقطعة أشلاء
بصوتٍ تخنقه العبرات قالت الربعي: "وجدت أبنائي عبد المجيد ونعيم تحت الردم، وكان قد أغمي عليهما، وبجانبهم أحمد الصغير 6 أعوام وقد بترت قدمه والشظايا تملأ جسده وعينه ليست في مكانها، وينادي علي ماما ماما، وزوجي ينزف من الشظايا التي تملأ جسده وكذلك أنا".
وأضافت الربعي والتي ساعدها عملها حكيمة في أحد مشافي غزة بإنقاذ أبنائها من الفقد: "حضر أحد الأقارب لنجدتنا وحملنا الأولاد وأبعدناهم عن مكان الاستهداف، ورغم صعوبة المشهد، فهؤلاء أطفالي أجسادهم مقطعة أشلاء، ماذا عساي أن أفعل، قويت نفسي وبدأت بإسعافهم، أقطع ملابسهم وأربط بها جروحهم لإيقاف النزيف".
وأوضحت أن زوجها خرج يستنجد ويطلب الإسعاف ولكن لا مجيب، "فتواصلنا مع الأقارب لإحضار إسعاف مشفى المعمداني ولكن طلبهم قوبل بالرفض، فاضطر زوجي للخروج بالدراجة الهوائية يطلب المساعدة من أي أحد في المنطقة وإذ بقذيفة سقطت أمامه ودفعته للعودة إلى المنزل".
وبيّنت أنها وأثناء خروج زوجها افتقدت ابنتها، فعادت إلى المنزل تبحث عنها "وإذا بالقذيفة في ظهرها قد حذفتها إلى المطبخ مقطعة إلى أشلاء، فحملتُها ونزلت بها عند إخوتها المصابين".
بطارية صغيرة تنجد العائلة
وجدت عائلة الربعي نفسها وحيدة دون أي مساعدة، و 5 من أفرادها مصابين وجروحهم تنزف، فاهتدى والد المصاب الربعي لفكرة تشغيل سيارة العائلة بالبطارية والقذائف تتساقط من حوله، ولكنه لم ينجح، "فأحضر بطارية ليدات فاشتغلت السيارة ولكن بابها الخلفي لم يفتح، فقمنا بوضعهم من الشباك الأمامي للسيارة ووضعنا أختهم الشهيدة فوقهم".
وتضيف الربعي: "انطلقنا والقذائف والرصاص فوق رؤوسنا حتى وصلنا إلى مشفى المعمداني بعد ساعة ونصف من الاستهداف وإذا بطبيب واحد في كل القسم، والإمكانيات ضعيفة جدًا، وحالة ابني عبد المجيد خطيرة جدًا، بتر في القدم وشظايا في العين و6 حفر كبيرة في جميع أنحاء الجسد، إحداها وصلت إلى الأحشاء الداخلية لجسده، وحاليًا دمه إلى 7 بعدما أسعفناه ب 3 وحدات ولازال هناك تكسير في الدم".
وبيّنت أن ابنها نعيم مُصاب بشظايا في رأسه وجميع أنحاء جسده وكسر في قدمه، و"نظرًا لازدحام المشفى بالجرحى والمصابين، وضعته في منزل قريب من هنا، أسيطر على حالته وأعقم له جروحه وأعطيه العلاج والمحاليل اللازمة ومن ثم أحضر هنا وأفعل نفس الشيء لعبد المجيد".
وأعربت والدة المصاب عبد المجيد عن أملها في توقف الحرب، قائلةً: "أخذت منا الحرب، الكثير ولا يوجد عائلة في غزة لم تذق من ويلات الحرب".
وطالبت الربعي الجهات المعنية بمساعدتها في تحويل ابنها للعلاج خارج غزة لانعدام الإمكانيات الطبية "فمثلًا، هو بحاجة إلى مرهم خاص للجروح، بحثت عنه في الصيدليات لكنه غير متوفر".
