غزة – محمد هنية
روى أسرى محررون من قطاع غزة أفرج عنهم الاحتلال الإسرائيلي، صباح يوم الإثنين الماضي، تفاصيل مروعة خلال فترة اعتقالهم من مدينة خانيونس قبل نحو شهرين، لخّصها أحد الأسرى بقوله "استشهد مية مرة ولا تنحس دقيقة عند اليهود".
وقال الأسير المحرر محمد ربيع (56 عامًا)، في حديث خاص لوكالة "شهاب"، "اعتقلت من مدرسة هارون الرشيد في خانيونس، بعد محاصرة جنود الاحتلال للمدرسة لنحو أسبوعين رأينا خلالها الموت المحقق"، موضحًا أن جنود الاحتلال اعتقلوا عددًا من الرجال الذين صمدوا في المدرسة.
وأضاف: "أجبرونا على خلع ملابسنا في منزل قريب من المدرسة وقد انهالوا علينا بالضرب المبرح، وأغمضوا عينينا حتى وصلنا معسكر الاحتجاز في الداخل المحتل، وطول تلك الفترة كنا نتعرض لضرب وتعذيب متواصل".
وأوضح المحرر الخمسيني والذي يعاني من أمراض تجلط الدم والقلب، أن مرحلة ثانية بدأت فور وصولهم معسكر الاحتجاز المفتوح في الهواء الطلق، حيث بدأ التحقيق معهم من ضباط الاحتلال الذي تناوبوا على التحقيق المتواصل والمرافق للضرب لا سيما في المناطق الحساسة من الجسد.
وتحدّث محمد ربيع عن ظروف الاعتقال السيئة والقاسية، حيث يُجبر المعتقل على الجلوس على الأرض فقط طوال مدة الاعتقال، ولا يُسمح للنوم إلا للأسرى المرضي الذين يتم الكشف عليهم طبياً، وللكشف الطبي "قصة موت" كما يصفها.
ويفضل الأسرى تحمل الألم على الذهاب للطبيب للكشف، حيث تبدأ رحلة الكشف بإغماء الأسير والضرب المتواصل منذ أخذه من معسكر الاحتجاز وحتى وصوله الطبيب الذي لا يصف له دواءً سوى الأكمول وما تيسر من أدوية بسيطة لا تُعالج المرض مهما استعصى.
وخلال العودة من الطبيب لمعسكر الاحتجاز يتعرض الأسير للضرب الشديد أكثر من طريق الذهاب للطبيب، في رحلة عذاب مضنية وقاسية ومؤلمة للأسير الذي يعاني من أوجاع صعبة.
ومن ظروف الاعتقال، تكبيل يدي الأسير وقدميه طوال فترة الاعتقال، وهو ما تعرض له المحرر محمد طوال اعتقاله لشهرين لم توجه خلالها له أي تهمة، وكذلك تعصيب عينيه حيث يأكل ويشرب ويذهب للحمام وهو بهذه الحالة.
ويبدأ صباح الأسرى في معسكر الاحتجاز عند السادسة صباحا بما يعرف بـ "طابور العدد"، والذي يليه إجبار الأسرى على ترديد أغان بكلمات بذيئة يُطلقها ضابط العد ويُجبر الأسرى على الترديد من خلفه.
ويُمنع الأسرى من الاستحمام طوال فترة الأسر، فيما يتواصل الضرب بالهراوات في مختلف أماكن الجسد طوال الوقت، كما يُطلق جنود الاحتلال الكلاب المدربة على الأسرى وهم بحالة التقيد الكامل، الأمر الذي يتسبب بأوجاع ورضوض تتواصل وتتزايد طوال الوقت.
ويشرح الأسير "ح.ل" الذي رفض الكشف عن اسمه وقد أفرج عنه الإثنين الماضي مع قائمة تزيد عن 130 أسيرًا أفرج الاحتلال عنهم، المزيد من تفاصيل المعاناة في معسكر الاحتجاز الذي يضم عشرات الأسرى المعتقلين من غزة وأغلبهم اعتقلوا من منطقة خانيونس جنوب قطاع غزة.
ويقول "ح.ل" في حديث خاص لـ "شهاب"، الاحتلال لا يفرق بين الكبار في ا لسن والشبان والأطفال، الجميع يتعرضون للتعذيب والتنكيل والتقييد المتواصل والضرب المبرح المتواصل دون أي اعتبار إنساني أو تفريق بين سليم ومريض.
وأضاف "معسكر الاحتجاز مقيد بأسلاك من الجوانب والأعلى، ويجلس الأسرى بجانب بعضهم البعض، والطقس فيه بارد جدا ليلا، وحار جدا نهارا، دون السماح لنا بالاستحمام"، ويتابع "يتعمد جنود الاحتلال على اللعب بنفسية الأسير من خلال إخبار أسير معين عن قتل عدد من أفراد عائلته، أو بث أخبار كاذبة عن عودة النازحين لمنازلهم في الشمال، او أخبار توقف الحرب".
وأوضح أن بث تلك الأخبار تؤثر بشكل سلبي على الأسير الذي يتألم لطبيعة الخبر الكاذب الذي يتلقاه، ويتركه يتخيل سيناريوهات مختلفة في أغلبها موجعة عن مصير وتفاصيل عائلته في الخارج.
ويُلخص "ح.ل" تفاصيل الاعتقال القاسية، "نبقى مقيدين طوال الوقت، حتى عندما نذهب للحمام، لا يسمح لها بفك قيد اليدين أو القدمين، ونقضي حاجتنا بهذا الحال، وحتى عند الطعام نأكل بأيدي مقيدة".
وعن ظروف الطعام، يقول إن الطعام المقدم لهم يختصر بـ "معلبات تونة، ومربى، جبنة، وخبز"، وجميعها تقدم للأسير في وجبتين وبكميات لا تكفيه.
وعن كيفية قضاء شهر رمضان، قال الأسير المحرر، إن الجنود أخبروا الأسرى برؤية هلال رمضان، وقد بدأ الأسرى الصوم مع تناول وجبتين من المكونات سابقة الذكر فقط وبكميات قليلة جدا، ولم يعرف الأسرى بانتهاء شهر رمضان المبارك.
ويُعامل الأسير الغزي بمعاملة مهينة وفق الأسير "ح.ل"، حيث يتم الإمساك من أعناقهم "كالدواب" على حد وصفه، ويتم رميهم بطريقة مؤذية وقاسية.
وتعلق زوجة الأسير "محمد ربيع" على ملامح زوجها عقب الإفراج عنه "للوهلة الأولى لم أعرفه، ملامحه متغيرة، استقبلناه ولا يقوى على المشي"، ويعاني زوجها من آلام شديدة لا تزال ترافقه وتمنعه من النوم أو الجلوس المريح نتيجة تعرضه للتعذيب، فيما تبدو على جسده علامات الضرب والتنكيل.
أسير آخر يعمل مديرًا في منظمة دولية عاملة في قطاع غزة، أسره الاحتلال 10 أيام عقب محاصرة مشفى ناصر الطبي بخانيونس جنوب قطاع غزة، تعرض لتعذيب قاسٍ يروي تفاصيله لـ "شهاب".
وقال الأسير المحرر الذي رفض كشف اسمه، إنه اعتقل بعد محاصرة مشفى ناصر الطبي بخانيونس، وتعرض للتعذيب الشديد إذ أجبروه على خلع ملابسه في ظل ضرب شديد لم ينقطع منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه قبل 8 أيام.
ورغم محاولات الأسير الطبيب عبثا أن يوضح لجنود الاحتلال أنه يعمل في مؤسسة دولية بثلاث لغات، عربية وعبرية وفرنسية وإنجليزية، وكان الرد عليه دائما بالضرب بالهراوات وأعقاب البنادق.
بعد 10 أيام من التنكيل والتعذيب والتي وصلت حد تركه التبول على نفسه، اقتنع أخيراً ضابط إسرائيلي أنه يقول مدير في المنظمة الدولية، وقال له "آسف".
ويعلق الطبيب المحرر "10 أيام أخذت مني، ضرب وشبح وتنكيل وتعذيب والجلوس لساعات طويلة على الأرض دون التحرك والحرمان من الطعام والشراب وضرب متواصل طوال الوقت، ونقصان شديد في وزني".