نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، مقالًا لرئيس تحريره الصحفي ديفيد هيرست، تحدث فيه عن التداعيات الإيجابية لمعركة "طوفان الأقصى"، على تزايد التأييد العالمي للقضية الفلسطينية، وتوجّه الأنظار نحو تفاصيل لم تكن مفهومة أو "واضحة" في الحرب التي يشنها الاحتلال "الإسرائيلي" على فلسطين منذ 75 عامًا.
وقال هيرست في المقال الذي ترجمته "عربي21"، "بعد مرور سبعة أشهر من العدوان على غزة، لا يزال اسم فلسطين يتواجد ويتردد في كل مكان، وعلى كل الألسن، مشيرًا إلى أن استطلاعات الرأي تثبت ذلك.
وأوضح أنه من أبرز نتائج المعركة الطويلة، وقوف "إسرائيل" في قفص الاتهام أمام محكمة العدل الدولية.
وتابع: " للمرة الأولى يجد الفلسطينيون أن لديهم قادة ليسوا على استعداد للتنازل عن مطالبهم الأساسية".
وأكد أن هذه القيادة تحظى فعلًا باحترام هذا الشعب.
وأشار هيرست إلى الحراكات الجامعية غير المسبوقة المُتضامنة مع غزة، مؤكدًا أن هذا مؤئر على ولادة جيل جديد في أمريكا، بإمكانه الضغط الفعلي على حكومته لإيقاف هذا الصراع من خلال سحب دعمها العسكري والسياسي والاقتصادي للاحتلال "الإسرائيلي".
وأكد أن اليهود باتوا يشعرون بـ"الرعب" من أن اسم ديانتهم يتم استخدامه في كل هذه المجازر والحروب الوحشية من قبل الصهاينة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أدّى إلى نشوء حراك يهودي يتحدى السردية الصهيونية في أمريكا.
ويذكر هيرست أوجه التّشابه بين االحراكات العالمية المُتضامنة مع غزة، وبين الاحتجاجات ضد الحرب الفيتنامية في عام 1968، عندما تحولت جامعة كولومبيا إلى واحد من المراكز الرئيسية للاحتجاج ضد الحرب، وذلك بسبب ما كان قائمًا بين جامعة كولومبيا وقطاع الصناعات الحربية من ارتباطات. واحتل الطلاب خمسة مبان ثم احتجزوا عميد الجامعة هنري كولمان واتخذوه رهينة لمدة ست وثلاثين ساعة. ثمة صورة شهيرة يظهر فيها أحد الطلاب وهو يدخن السيجار داخل مكتب العميد.
وفي تلك الاحتجاجات، تعرّض المئات من الطلاب للاعتقال أو الإصابة بجروح على أيدي الشرطة التي حاولت فض الاعتصامات، ثم أعلن الطلاب الإضراب عن الدراسة، وأفضى ذلك إلى استقالة رئيس الجامعة غريسون كيرك. وصلت الاحتجاجات ضد الحرب إلى ذروتها أمام مقر انعقاد المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو، وهي التي اعتبرت فيما بعد واحداً من الأسباب التي أدت إلى انتخاب ريتشارد نيكسون رئيساً.
وأضاف هيرست: "كثيرة هي أوجه التشابه ما بين حركة الاحتجاج في عام 1968 ضد الحرب في فيتنام والاحتجاج العالمي الذي يجري اليوم ضد الحرب في غزة. كما كان عليه الحال في هجوم تيت، لم يلبث الهروب الجماعي من السجن، الذي خططت له ونفذته كتائب القسام في السابع من أكتوبر، أن خرج عن السيطرة خلال ساعات. وسبب ذلك جزئياً الانهيار السريع غير المتوقع في لواء غزة التابع للجيش الإسرائيلي في جنوب فلسطين المحتلة".
لقد تحول الهجوم الذي توجه نحو أهداف عسكرية، وقتل فيه المئات من الجنود "الإسرائيليين"، إلى سلسلة من المذابح ضد المدنيين، إما من سكان الكيبوتزات أو من المشاركين في المهرجان الموسيقي الذي فوجئت به حماس والمجموعات الأخرى المشاركة معها عندما عبروا الحدود. وكما عبر عن ذلك أحد المسؤولين في دولة خليجية، لقد كان هجوم السابع من أكتوبر أم الحسابات الخاطئة بأسرها.
ولكن جاء الرد الإسرائيلي، والذي هو عبارة عن عملية هدم داخل غزة مستمرة منذ سبعة شهور، حملة إبادة جماعية ضد كل فرد وكل عائلة داخل القطاع بغض النظر عن انتماءاتهم، تدميراً لمنازلهم ومستشفياتهم ومدارسهم وجامعاتهم، ليثبت أنه نقطة تحول في الرأي العام العالمي.
وتارة أخرى، يأتي الدعم لهذه الحرب من قبل رئيس أمريكي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، ويحدث ذلك في سنة انتخابية. وتارة أخرى، تتصدر جامعة كولومبيا لتصبح مركز الثورة والتمرد، حيث أطلق معسكر للطلاب داخل حرمها احتجاجاً على العدوان "الإسرائيلي" موجة من النشاطات الاحتجاجية المشابهة داخل العديد من الكليات والجامعات في مختلف أرجاء الولايات المتحدة.
ويرى الكاتب البريطاني أن الأمر المشترك الذي يربط بين ثورات الطلاب في جامعات كولومبيا وييل وهارفارد هو العلاقات التي تربط بين جامعاتهم و"إسرائيل". ففي جامعة كولومبيا، يريد الطلاب من إدارة الجامعة سحب استثماراتها من عملاقي التكنولوجيا أمازون وغوغل، بسبب ما أبرماه من عقد في الحاسوب مع الحكومة "الإسرائيلية" في تل أبيب بقيمة 1.2 مليار دولار. وفي جامعة ييل، يريد الطلاب من الجامعة سحب استثماراتها من "جميع الشركات المصنعة للسلاح التي تستخدم أسلحتها في العدوان على فلسطين." كما أن لجامعة ييل برنامجاً لتبادل طلاب مع سبعة من الجامعات "الإسرائيلية". وأما جامعة هارفارد فلديها برامج مع ثلاث من هذه الجامعات، بينما لجامعة كولومبيا علاقات بأربع منها.
ويقارن هيرست بين ما واجهه المحتجون في عام 1968، من اعتداءات واعتقالات، وبين ما يواجهه طلاب جامعة كولومبيا، حيث أمرت رئيسة الجامعة نعمت منشه شفيق شرطة مدينة نيويورك بتفريق المتظاهرين وهدم خيامهم الخمسين المقامة في الساحة الجنوبية، الأمر الذي نجم عنه إلقاء القبض على مائة من طلاب كولومبيا وكلية بارنارد، بما في ذلك ابنة عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر.
كما أنه صدر أمر بتوقيف الطلبة عن الدراسة، وقيل لهم إنهم لن يتمكنوا من إتمام فصلهم الدراسي. وفي جامعة ييل، ألقي القبض على 50 محتجًا بتهمة "الاجتياح والاعتداء المشدد على ملكية الآخرين". وفي جامعة أوهايو تعرض المحتجون للضرب والصعق. واعتقال ما يقارب 900 متظاهر من مختلف أنحاء البلاد منذ اندلاع المواجهات ابتداءً في جامعة كولومبيا في يوم الثامن عشر من إبريل.
ولفت هيرتس إلى ما حدث في عام 1970، عندما فتح عناصر الحرس الوطني في أوهايو النار على المحتجين وقتلوا أربعة طلاب وجرحوا تسعة آخرين في ما بات يعرف بمذبحة ولاية "كينت". حينذاك، كما هو الحال اليوم، لم تزد قسوة الشرطة وتوحشهم ضد الطلاب حركة الاحتجاج إلا انتشاراً.
وبعد ساعات من إغلاق الإدارة المعسكر الطلابي داخل جامعة برينستون، احتل مئات الطلاب الساحة المركزية، وجلبوا الكتب وأجهزة اللابتوب (الحاسوب المحمول) والألواح البيضاء ليقيموا "جامعة شعبية من أجل غزة". ثم ما لبث أعضاء الهيئة التدريسية أن انضموا إليهم، يلقون عليهم المحاضرات ويديرون معهم النقاشات.
كما تم استدعاء الشرطة في خمس عشرة جامعة في أنحاء الولايات المتحدة، وهناك احتجاجات تنظم في اثنتين وعشرين جامعة وكلية أخرى.
وأضاف: لم تلبث الاحتجاجات التي تشهدها الولايات المتحدة أن انتشرت وانتقلت إلى الجامعات البريطانية، رغم أن هذه حظيت باهتمام أقل من قبل وسائل الإعلام. ففي كلية ترينيتي، التابعة لجامعة كامبريدج، تعرّضت لوحة تصور اللورد بلفور، وزير الخارجية البريطاني المسؤول عن الإعلان الذي اعترف بحق اليهود في إقامة وطن لهم في فلسطين، للتشويه ثم للتقطيع، قبل أن تتدخل الجامعة وتخليها من المكان الذي كانت منصوبة فيه.
وشهدت لندن مؤخراً تظاهرتها الثالثة عشرة منذ بداية الحرب. لا يكاد يتفوق على هذه الاحتجاجات ضد الحرب في غزة، من حيث استمراريتها ومن حيث حجمها، سوى المظاهرة المليونية التي خرجت احتجاجاً على قرار طوني بلير غزو العراق، والتي كانت في عام 2003 الأضخم من نوعها على الإطلاق.
وأكد الكاتب البريطاني في ختام مقاله، أن هذه الحركة الاحتجاجية باتت تترك أثراً عميقاً على غزة نفسها، وذلك أن الشعب الفلسطيني الذي يتحمل أعباء هذا العدوان لم يعد يشعر أنه وحده.