شهاب / غزة
عدَّ مدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى العام 2024 الأقسى على الإطلاق منذ إنشاء سجون الاحتلال، حيث تضاعفت أعداد الأسرى بنسبة 100%، ومارس الاحتلال بحقهم كل أشكال التنكيل والتجويع، وفرض إجراءات قاسية غير مسبوقة بإشراف مباشر من وزير أمن الاحتلال المتطرف ايتمار بن غفير، ما أدى إلى استشهاد 49 أسيرًا، وهو العدد الأعلى منذ عشرات السنين في عام واحد.
وأوضح الأشقر في تصريح لوكالة شهاب أن الاحتلال، تزامنًا مع حرب الإبادة على قطاع غزة، مارس حربًا موازية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، تمثلت في استنزاف الطاقات البشرية بالاعتقالات المكثفة التي لم تتوقف على مدار العام. وصلت حالات الاعتقال خلال العام إلى حوالي (9 آلاف) حالة، استهدفت كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني، وتركزت على فئة الشباب والناشطين وطلاب الجامعات، خشية من تحريك الشارع ضد جرائم الاحتلال في غزة. وسُجلت أعلى حالات اعتقال في مدينتي القدس والخليل.
بلغت حالات الاعتقال بين الأطفال خلال العام الماضي (700) حالة، وبين النساء (265) حالة، دون احتساب النساء المعتقلات من غزة، واللواتي يُقدر عددهن بالعشرات. بينما وصلت حالات الاعتقال في قطاع غزة وحده إلى ما يزيد عن (7 آلاف) حالة.
ترافقت حملات الاعتقالات مع جرائم وانتهاكات أخرى، منها التنكيل والاعتداءات بالضرب المبرح، والتهديد بحق المعتقلين وعائلاتهم، إلى جانب التخريب الواسع لمنازل المواطنين وسرقة الأموال والمصاغ الذهبي، ومصادرة المركبات، وهدم منازل عائلات الأسرى، واعتقال أفراد الأسرى كرهائن للضغط على أبنائهم لتسليم أنفسهم. كما استخدم الاحتلال معتقلين كدروع بشرية.
الأوضاع القاسية التي عاشها الأسرى، وتضاعف عمليات التعذيب والتنكيل والإهمال الطبي، أدت إلى استشهاد (49) أسيرًا داخل السجون خلال العام 2024، من أصل (54) أسيرًا استشهدوا منذ حرب الإبادة على القطاع في السابع من أكتوبر 2023، ليصل إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى (291) شهيدًا.
من شهداء العام الماضي (34) أسيرًا من قطاع غزة، غالبيتهم استشهدوا بسبب التعذيب في معتقل "سيديه تيمان"، بينهم الدكتور "عدنان البرش"، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء بغزة، الذي تعرض لتعذيب قاسٍ استمر عدة أشهر أدى إلى استشهاده، ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه.
إضافة إلى (15) شهيدًا من الضفة الغربية، بينهم الأسير خالد الشاويش من طوباس، نتيجة الإهمال الطبي بعد 16 عامًا في الأسر، وهو محكوم بالسجن المؤبد (11) مرة، والشيخ مصطفى أبو عرة (63 عامًا) من طوباس، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد. كما ارتقى شهيدان من الأراضي المحتلة عام 1948، أحدهما الأسير "وليد دقة" من باقة الغربية، الذي استمر اعتقاله 38 عامًا، ورفض الاحتلال إطلاق سراحه رغم إصابته بالسرطان.
ومع تصاعد سياسة الاعتقالات منذ حرب الإبادة على القطاع، ارتفعت أعداد الأسرى حاليًا إلى أكثر من (10,300) أسير، بينهم (89) أسيرة، معظمهن يقبعن في سجن "الدامون"، بينهن (4) أسيرات من غزة. أما عدد الأطفال الأسرى فقد بلغ (300) طفل، بينما وصل عدد الأسرى الإداريين لأول مرة في تاريخ الحركة الأسيرة إلى أكثر من (3,500) أسير إداري. قبل السابع من أكتوبر 2023، كان عدد الأسرى يبلغ (5,200) أسير، بينهم (40) أسيرة، و(160) طفلًا قاصرًا، و(1,300) أسير إداري.
إضافة إلى الارتفاع الكبير في أعداد الأسرى، تعرض المعتقلون داخل السجون لحملات تنكيل واعتداء غير مسبوقة، خاصة بحق آلاف الأسرى من غزة الذين اعتقلوا خلال الاجتياح البري لمناطق القطاع. كما افتُتح معسكر خاص بالجيش وتحويله إلى سجن في منطقة النقب، عُرف باسم "سيديه تيمان"، حيث مارس الاحتلال داخله جميع أشكال الجرائم المحرمة دوليًا، بما في ذلك جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأسرى.
منذ اليوم الأول للعدوان، أعلن الاحتلال حالة الطوارئ وأغلق السجون بشكل كامل، وعزل الأسرى عن العالم الخارجي حتى اليوم. كما أغلق "الكانتينا"، وأوقف جميع أشكال الزيارات للأهالي والمحامين، ونفّذ حملات تفتيش وتنقلات واسعة، وأعاد سياسة الضرب والتنكيل التي مارسها بحق الأسرى في السبعينيات.
تنوّعت أشكال التنكيل منذ ذلك الحين بين التجويع، والتعطيش، والإهمال الطبي، إضافة إلى سحب جميع مستلزمات الحياة الأساسية. زُجّ بالعشرات من المعتقلين في غرف صغيرة لا تتسع لهذه الأعداد الكبيرة. ومع دخول فصل الشتاء، اشتدت قساوة الأوضاع داخل السجون، بسبب انعدام وسائل التدفئة والملابس الشتوية.
خلال العام الماضي، تصدرت سياسة التجويع مشهد الانتهاكات، حيث قلّصت إدارة السجون، بتعليمات من المتطرف "بن غفير"، كميات الطعام المقدمة للأسرى إلى أقل من نصف الكمية المطلوبة لسد الجوع، وسُحبت أدوات الطبخ، مما أدى إلى فقدان مئات الأسرى أكثر من نصف وزنهم. خرج بعضهم بعد التحرر في حالة صحية مزرية، وكأنهم هياكل عظمية.
إضافة إلى ذلك، أصيب العشرات بأمراض مزمنة نتيجة الظروف القاسية وسوء التغذية، مما أدى إلى نقلهم إلى المستشفيات فور الإفراج عنهم.
أما الاعتقالات في قطاع غزة، فقد نفذ الاحتلال، منذ بدء العدوان، حملات اعتقال جماعية شملت مراكز الإيواء والمدارس والمنازل، واعتقل الآلاف بطرق همجية وغير مسبوقة. أُفرج عن غالبية هؤلاء المعتقلين بعد أشهر من التحقيق والتعذيب، بينما لا يزال أكثر من (2,300) أسير من غزة في الأسر، نصفهم يقبعون في سجن النقب الصحراوي.
تشير شهادات الأسرى المفرج عنهم حديثًا إلى تعرضهم لتعذيب قاسٍ طال كرامتهم وإنسانيتهم، حيث قُيدوا وعُصبت أعينهم لفترات طويلة استمرت لأكثر من أسبوع، وتعرضوا للضرب على كافة أنحاء الجسم، وحُرموا من قضاء حاجاتهم، واضطروا لقضائها في ملابسهم.
كما عانى الأسرى من انعدام النظافة وأدوات التنظيف، مما أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية والالتهابات بينهم. استشهد (34) أسيرًا معلومي الهوية من قطاع غزة، والعشرات لا يزالون مجهولين، إضافة إلى مئات الشهداء الذين أُعدموا ميدانيًا بعد اعتقالهم والتحقيق معهم وهم مكبلون.