قلبت مشاهد إفراج المقاومة الفلسطينية في غزة عن الدفعة الثانية من أسرى الاحتلال، حالة الترقب والاحتفالات في أوساط الجمهور "الإسرائيلي" وحتى إعلامه وساسته، إلى صدمة مؤلمة.
وسلمت كتائب القسام وسرايا القدس 4 مجندات أسيرات في غزة، وسط مشاهد مهيبة وهتافات واحتفالات لحاضنة المقاومة الشعبية، وعويل وصراخ في كيان الاحتلال.
وخلال عملية التسليم، التي جرت في ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، أظهرت مشاهد مراسم توقيع وثائق تسليم كتائب القسام الأسيرات المجندات للصليب الأحمر الدولي.
وصعدت المجندات الأربع على المنصة التي كتب عليها "الصهيونية لن تنتصر"، وروست أرضيتها بصور مجرمي الحرب في "تل أبيب"، بزيهن العسكري، على الرغم مما نقلته صحيفة "إسرائيل هيوم" عن جيش الاحتلال قوله إنه لن يخرجن بزيهن العسكري، بخلاف صفقة وفاء الأحرار "صفقة شاليط".
مشاهد وإنجازات أسطورية
الكاتب والمحلل السياسي فرحان علقم، اعتبر أن ما أنجزته المقاومة اليوم، وعلى وجه الخصوص كتائب القسام، من مراسم أسطورية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، يعد إنجازاً أسطورياً يضاف إلى الإنجازات الأسطورية التي حققتها المقاومة في الميدان، وحققته الحاضنة الشعبية، وحققه الوفد المفاوض.
وقال علقم لـ(شهاب): "لذلك، حق لغزة وحق للشعب الفلسطيني، بل حق لكل أحرار العالم، أن يتيهوا فخاراً بهذا الإنجاز وهذا الإعداد، الذي زاد غزة بهاءً وجلالاً، حتى أصبحت بحق قبلة الأحرار في العالم ومهوى قلوبهم ومحط آمالهم ومنتهى طموحاتهم".
وأوضح أن المقاومة وكتائب القسام اهتمت بأدق التفاصيل، فكان مهرجاناً رائعاً تستحقه غزة، ويليق بها، ويرتقي إلى مستوى تضحياتها وبسالتها، ويعبر بحق عن المستوى الحضاري الرفيع الذي تهديه غزة إلى كل أحرار العالم، على الرغم من حجم الألم والدمار الشامل.
واستدرك قائلاً: "لكن غزة اليوم تنتفض من تحت الركام، وتنفض عن كاهلها غبار المعركة الدموية لتقول للعالم كله إن غزة عصية على الفناء، وإنها تستحق الحياة وتستحق الريادة بين شعوب العالم بما تمتلكه من إرادة الحياة وتصميم على البقاء واستعصاء على الفناء".
وقال: "هذه غزة التي أبدعت في المقاومة والصمود، تبدع في إخراج هذا المهرجان الذي يليق بغزة وأهلها. فطوبى لغزة بما قدمت".
صدمة "إسرائيل" ورسائل المقاومة
من جهته، عقب الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة قائلاً: "لم يترك إعلام الغزاة الصهاينة، وتعليقات ساستهم، مجالاً للناس كي يختصموا في حقيقة ما جرى في ميدان فلسطين بمدينة غزة، فقد أفصحوا عن دلالته وما تركه في وعيهم من صدمة".
وأضاف الزعاترة لـ(شهاب) أن الغضب كان عارماً على قيادتهم قبل أن يكون تعبيراً عن حقدهم على شعبنا ومقاومته.
وتابع: "جماهيرهم كانت بعيدة عن الحقيقة إلى حد ما، فهي لا تشاهد غير وسائل إعلامها، لكنها أمس كانت مجبرة على مشاهدة البث الحي والمباشر من الميدان، وعبر "الجزيرة" التي طاردوها وقتلوا صحفييها".
وبحسب الزعاترة، الاستعراض الرائع الذي شاهده العالم في ميدان فلسطين كان مرسوماً بريشة فنان مبدع، إذ تمكن من توصيل الرسائل ببلاغة منقطعة النظير.
وأوضح أن رسالته الأولى أن المقاومة لم تُهزم أبداً، و"نصر نتنياهو المطلق" ضرب من الهُراء لا أكثر، اللهم إلا إذا كان القتل الأعمى من الجو، والتدمير والإبادة يعني نصراً، مقابل فرار جيش الاحتلال من المواجهات المباشرة وخساراته فيها حين حاول.
وأكمل قائلاً: "حين نقول ذلك، فالمقاومة التي يمكنها أن ترسم هذا المشهد الرائع لا يمكن أن تكون مهزومة، بل هي منتصرة بامتياز، لا سيما أننا نتحدث عن قوة مقاومة محاصرة في إقليم صغير محاصر، واجهت أكبر قوة في الشرق الأوسط، مدعومة بأحدث الأسلحة من أقوى معسكرات العالم، بجانب الجهد الاستخباري".
أما الرسالة الثانية، وفق الزعاترة، فهي التي التقطها الناطق باسم جيشهم (هاغاري): إسقاط مقولة الإرهاب والعنف الأعمى عن المقاومة. فقد تأكد العالم أن الأسيرات كنّ يعشن أفضل بكثير من كل أهل القطاع، بدليل الصورة التي خرجن بها، ومن سبقهن في الصفقة السابقة، وكذلك التي سبقتها قبل شهور طويلة. وهنا والآن سقطت منظومة الدعاية الفاجرة التي بثوها طوال الوقت، وليس أدلّ على ذلك من عدم بث أي مقابلات مع الأسيرات اللاتي خرجن سابقاً كي لا يتحدثن عن حسن المعاملة.
وقال: "ما جرى كان مشهداً أسطورياً يعكس مقاومة أسطورية، ومن خلفها شعب عظيم وقفت جماهيره تراقب المشهد وهي فخورة بأبطالها رغم كل ما أصابها من معاناة تحملتها بصبر وإباء".
حكايا الطوفان المعجزة
بدوره، اعتبر المختص في الشأن "الإسرائيلي" فراس ياغي أن مشهد تبادل الأسرى جاء بطريقة صادمة، أوحت بأن ما يحدث كما قال الصحفي الصهيوني روبنشتاين: "هذه صفقة تبادل بين دولة ودولة، فالتنظيم غير المسبوق الذي جاء بشكل احتفالي في ميدان غزة، حيث كانت أصعب المعارك تدور في تلك المنطقة".
وقال ياغي لـ(شهاب): "رغم هول الدمار والكارثة، إلا أن كلمة الفصل كانت للقسام، حيث تظهر المجندات الأسيرات على مسرح مجهز للتوقيع والتسليم، وبحضور قسامي ومقاومي كبير على رأسه قوات من النخبة تحمل سلاح "تافور" الذي غنمته في السابع من تشرين/ أكتوبر. وظهرت الأسيرات بصحة جيدة يلوحن بأيديهن للجمهور الإسرائيلي الذي كان يتابع ذلك بشكل حي ومباشر. كل ذلك يعزز فرضية الانتصار والفشل الكبير الذي حققه كيان الاحتلال رغم كل ما فعله من إجرام عبر مفهوم "الديموعرقسايد" (التدمير والإبادة والتطهير العرقي).
وأضاف: "اليوم ومرة أخرى، ولكن بشكل أكثر تنظيماً، يقدم القسام حكاية من حكايا الطوفان المعجزة، ويؤشر لقوة المقاومة وقدرتها مع شعبها على الصمود والصبر والانتصار. وسوف نرى مثل هذه المشاهد في كل مرة تتم فيها عملية تبادل".
حماس مسيطرة ومتماسكة
فيما علّق الكاتب والمحلل السياسي سهيل كيوان، قائلاً: "أخيراً رضخ بنيامين نتنياهو وحكومته لعقد صفقة، وبهذا اضطر للتعامل مع حركة حماس نداً لند، والإفراج عن أسرى المؤبدات".
وبحسب كيوان، هذا يعني أن حماس لم تهزم ونجحت في البقاء، رغم هول القوة التي عملت على "سحقها"، لكن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه.
ووفق حديثه لـ(شهاب)، المشهد الذي ظهرت فيه المجندات يقول إن "حماس مسيطرة ومتماسكة، وتصرفت مع الأسيرات بأخلاق عالية جداً كما يجب أن يعامل الأسرى، رغم التنكيل والقمع الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون".
وأضاف: "الطريقة الاستعراضية من القوات الكثيرة عددياً، والإعلام، والهدايا، والشهادات، وتحيات المجندات للجمهور، كل هذا يؤكد على تصرف حماس كحكومة مثيرة لإعجاب العدو والصديق".
وتابع كيوان: "التنظيم والمكان الذي جرى فيه التسليم أكد أن الحركة، رغم ما تعرضت له من ضربات، ما زالت تسيطر على إدارة معركتها".
تعزيز ثقافة المقاومة
من ناحيته، قال الكاتب والمحلل السياسي عادل شديد: "لا شك أن هذا، من وجهة نظر إسرائيلية، مشهد قاسٍ".
وأضاف شديد لـ(شهاب): "صحيح أن هناك فرحة شبه عارمة في إسرائيل لعودة هؤلاء المجندات اللاتي أُسرن لدى المقاومة قبل عام وأربعة أشهر، لكن مشهد إطلاق سراحهن بهذا الموقف في غزة، وفي المقابل تحرير مئات الأسرى، منهم 120 من ذوي الأحكام المؤبدة الذين لم يكن بالإمكان أن يروا الشمس، وتحريرهم بالقوة وصفقة تبادل بعد أسر جنود وإسرائيليين، يقرأ إسرائيلياً بمنتهى السوداوية".
ويرى شديد أن "ما يحدث من شأنه أن يعزز ثقافة مقاومة الاحتلال لدى الفلسطينيين أكثر، وينتج جيلاً جديداً من المقاومين".