بعد أقلَّ من أسبوع من وقف إطلاق النَّار في غزَّة، والَّذي أنهى 15 شهرًا من الحرب، وصف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب القطاع الفلسطينيِّ بأنَّه "موقع هدم" وقال إنَّه سيكون من الأفضل "إذا قمنا فقط بتنظيف هذا الشَّيء بأكمله".
فكرة تبدو اعتباطية تدلّل على مزاج وعقلية ترامب، الذي دعا في ولايته الأولى لشرب الكلوروكوين (الملقين) للتداوي من داء الكورونا.
ولقي المشروع إدانة فورية من الفلسطينيين، الذين رفضوا، إلى جانب الأردن ومصر، الفكرة بسبب مخاوف من أن إسرائيل لن تسمح أبداً للفلسطينيين بالعودة إلى غزة إذا أجبروا على المغادرة.
والمثير أيضًا، أن العديد من الإسرائيليِّين البارزين، بما في ذلك الصِّحافيُّون والمعلِّقون المخضرمون، سخروا من اقتراح الرَّئيس الأميركيِّ دونالد ترامب "تطهير" غزَّة ونقل الشَّعب الفلسطينيُّ قسرًا إلى الأردنِّ ومصر.
وكانت تسريبات صحفية عبرية قد قالت إن دعوة ترامب لم تأت من فراغ، بل هي جزء من خطة واسعة. لكن المرجح أكثر أن تصريحات ترامب تصدر عنه لإرضاء لوبيات صهيونية دعمت حملته الانتخابية، وأوساط يمينية في إسرائيل أصيبت بخيبة أمل بعد عدة تصريحات ومواقف سابقة أبرزها مشاركته، قبل نحو أسبوعين، مقالاً لأكاديمي أمريكي بارز اتهم نتنياهو بمحاولة جر أمريكا لحرب ضد إيران، كما فعل عند جرّها لحرب على العراق.
ربما تأتي تصريحات ترامب لترضية هذه الجهات الصهيونية خائبة الأمل منه، بعدما أجبر نتنياهو على وقف الحرب واستئناف الصفقة مع “حماس” قبل “النصر المطلق”، وقبل إسقاط “حماس”، ما يربكه وينال من هيبته وهيبة ائتلافه القومي الأشد تطرفاً ضمن حكومات الاحتلال.
رؤية قطب عقاري متمرس، ولا توجد خطة عمل ملموسة من هذا القبيل
من جهتها، شنت صحيفة هآرتس الإسرائيلية هجومًا لاذعًا على مقترحات ترامب السياسية، حيث ذكرت هيئة التحرير أن القطاع هو "موطن" أكثر من مليوني فلسطيني، كما سخرت من الاقتراحات التي تدعو إلى إرسالهم إلى دول عربية أخرى مثل إندونيسيا.
وسخرت الصحيفة العبرية وقالت، في افتتاحيتها، إنه إذا ما استمر الرئيس الأمريكي ترامب في إطلاق الأفكار الخيالية، فإنه سيقترح على ما يبدو نقل مليوني فلسطيني إلى المريخ.
كما نساءلت الصحيفة العبرية: "لماذا لا يكون العلم الفلسطيني موجودًا أيضًا؟ من المحتمل أن شريكه إيلون ماسك يعمل على ذلك بالفعل."
وكتب حاييم ليفنسون، كاتب العمود في صحيفة هآرتس: "أنا آسف، ولكن لا بد أن أخيب ظنك. بعد التحقق من عدد من المسؤولين، سواء في إسرائيل أو في البلدان المعنية ـ إلى جانب الدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات ـ يبدو أن هذه هي رؤية قطب عقاري متمرس، ولا توجد خطة عمل ملموسة من هذا القبيل.
في هذه الأثناء، قال الكاتب الإسرائيلي تسفي باريل في صحيفة هآرتس إنه من غير المعقول أن تقبل الأردن المزيد من الفلسطينيين، وخاصة بعد خطاب الملك عبد الله في سبتمبر/أيلول الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال إن المملكة الهاشمية لن تصبح أبدا "وطنا بديلا" للفلسطينيين.
وقال بارئيل "على مدى عقود من الزمن، كانت الأردن تراقب بعين الريبة والقلق الخطاب الإسرائيلي حول إقامة وطن فلسطيني بديل، وفي كل مرة كانت تطلب تصريحات واضحة من القادة الإسرائيليين للإشارة إلى أن إسرائيل لا تنوي حل الهوية الديموغرافية للمملكة".
وأضاف "عندما تم طرح الاقتراح مرة أخرى خلال الحرب في غزة بترحيل مئات الآلاف من سكان غزة إلى مصر ودول أخرى، تلقت الأردن ومصر تأكيدات إسرائيلية بعدم وجود نية لبدء نقل الفلسطينيين من غزة".
وذكرت صحيفة "ميدل إيست" آي يوم الاثنين أن أي خطة "لتطهير غزة" من شأنه أن يشكل انتهاكا للقانون الدولي.
وقال أردي إمسيس ، أستاذ القانون الدولي بجامعة كوينز ومسؤول سابق في الأمم المتحدة، إن "رغبة الرئيس ترامب في "نقل" الفلسطينيين بشكل جماعي من قطاع غزة المحتل غير قانونية بقدر ما هي مجرد أمنيات".
وأضاف في تصريح لموقع "ميدل إيست آي": "بموجب القانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي، فإن عمليات النقل القسري الفردية أو الجماعية، وكذلك ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي القوة المحتلة أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أم لا، محظورة، بغض النظر عن دوافعها".
الملاحظات تسبب الارتباك
ويستضيف الأردن بالفعل أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني، كما حذرت مصر، التي تحد غزة، من العواقب الأمنية المترتبة على نقل أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء المصرية.
واليوم، هناك 5.8 مليون لاجئ فلسطيني مسجل يعيشون في عشرات المخيمات في الضفة الغربية المحتلة، وقطاع غزة، والأردن، وسوريا، ولبنان.
ويشكل اللاجئون أو أحفاد اللاجئين النازحين منذ النكبة عام 1948 نحو 80% من سكان غزة، عندما استولت "إسرائيل" على 78% من فلسطين التاريخية.
وفي الولايات المتحدة، حتى بعض الجمهوريين الموالين لترامب وجدوا صعوبة في فهم تصريحات الرئيس.
وقال السيناتور ليندسي غراهام لشبكة CNN عندما سُئل عما يعنيه الرئيس بتصريح "التنظيف": "أنا حقًا لا أعرف".
وقال غراهام "إن فكرة رحيل جميع الفلسطينيين والذهاب إلى مكان آخر، لا أرى أنها عملية للغاية"، مضيفا أن ترامب يجب أن يستمر في التحدث إلى الزعماء الإقليميين، بما في ذلك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والمسؤولين الإماراتيين.
ورفضت الحكومة الألمانية أيضا فكرة النزوح الجماعي للفلسطينيين يوم الاثنين، حيث قال متحدث باسم وزارة الخارجية للصحفيين في برلين إن البلاد تتشاطر وجهة نظر "الاتحاد الأوروبي وشركائنا العرب والأمم المتحدة... بأن السكان الفلسطينيين لا ينبغي طردهم من غزة ولا ينبغي احتلال غزة بشكل دائم أو إعادة استعمارها من قبل إسرائيل".
ساندرز يصف اقتراح ترامب بتطهير غزة بأنه "تطهير عرقي"
فيما ندد السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، باقتراح الرئيس دونالد ترامب "تطهير" غزة من خلال توطين ملايين الفلسطينيين،
ووصفه بأنه "تطهير عرقي" وجريمة حرب، وحث جميع الأمريكيين على إدانته، وفق ما ذكرت وكالة الأناضول .
وكتب ساندرز على موقع "إكس" ردا على تصريحات ترامب المثيرة للجدل: "هناك اسم لهذا - التطهير العرقي - وهو جريمة حرب. يجب على كل أمريكي إدانة هذه الفكرة الشنيعة".