تقرير/ شهاب
في أول خطوة حقيقية منذ توليه منصبه، بدأ رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الجنرال "إيال زامير"، بخطاب مغاير لنبرة حكومة الاحتلال المتطرفة، محذرًا من نقص في القوات القتالية وصعوبة تنفيذ الطموحات السياسية المعلنة، وأبرزها "القضاء على حماس" في قطاع غزة.
تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد موجة رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، حيث يواجه الجيش أكبر أزمة رفض منذ عقود، إذ توقف أكثر من 100 ألف إسرائيلي عن أداء الخدمة الاحتياطية، ويرفض بعضهم الانخراط في الحرب على قطاع غزة.
وقد وُصفت تصريحات "زامير" بأنها مفاجأة من العيار الثقيل، حيث أبلغ رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزراء حكومته، بأن الجيش غير قادر على احتلال غزة بالكامل، وأن ذلك قد يستغرق أشهرًا وربما سنوات، وسيتطلب استدعاء آلاف من جنود الاحتياط.
ونقل المراسلون العسكريون في الصحف العبرية أن "زامير" رفض تكرار أخطاء سلفه "هرتسي هليفي"، وأبلغ "الكابينيت" الأمني بأن "الجيش وحده لا يمكنه تحقيق نصر مطلق"، ما لم تقترن العمليات العسكرية بمسار سياسي موازٍ يضمن إعادة تشكيل الحكم في القطاع.
كما تأتي تصريحات "زامير" بعد أسابيع من عملية عسكرية مكثفة شنها جيش الاحتلال على قطاع غزة، وُصفت بأنها "مجزرة دموية" جاءت مع لحظة تنصيبه، في محاولة لإثبات القوة، لكنها أثارت جدلًا داخليًا واسعًا حول جدوى التصعيد دون أفق سياسي واضح.
"تخلوا عن أوهامكم"
وطالب رئيس أركان جيش الاحتلال، الجنرال "إيال زامير"، وزراء حكومة الاحتلال بـ"التخلي عن أوهامهم"، كما وصفها، نظراً لواقع النقص العددي الخطير في القوات.
وحذر "زامير" من النقص الحاد في القوى البشرية داخل الجيش، مؤكدًا أن هذا العجز يشكل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق أهداف الحرب في قطاع غزة، وأن هذا النقص في الجنود المقاتلين يحد من قدرة الجيش على تنفيذ التطلعات التي يضعها صناع القرار في الحكومة الإسرائيلية.
وأشار زامير، خلال مناقشاته الأخيرة مع المستوى السياسي، بحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إلى أن الحكومة، برئاسة نتنياهو، تواصل الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية ومقاتلي الجيش في إدارة الحرب، دون وجود تحرك سياسي موازٍ يمكن أن يكمّل العمليات العسكرية على الأرض.
واعتبر أن هذا النهج غير كافٍ لتحقيق الأهداف المعلنة، خاصة في ظل غياب خطة سياسية تواكب المجهود العسكري وتوفر بديلًا عن حركة حماس في القطاع.
وأوضح زامير أن الالتزام بالتجنيد في صفوف جيش الاحتلال، حتى ضمن الوحدات القتالية، بات منخفضًا بشكل مقلق.
كما شدد رئيس الأركان على أن إنجازات الجنود في ساحة القتال بدأت تتآكل نتيجة غياب الدعم السياسي الفعال، محذرًا من أن استمرار الجمود في البحث عن بديل لحكم حماس في غزة من شأنه أن يقوّض أي مكاسب ميدانية.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن المجلس الوزاري المصغر "الكابينيت" لا يزال مصرًّا على تجاهل طرح أي بدائل سياسية أو خطط لما بعد الحرب، رغم مطالبة زامير الوزراء "بالتخلي عن أوهامهم"، نظرًا لواقع النقص العددي الخطير في القوات.
وفي ظل حديث متصاعد عن احتمالية توسيع الجبهة مع مهاجمة إيران، تبدو تحذيرات زامير بمثابة دق ناقوس خطر في وجه حكومة يتزعمها بنيامين نتنياهو، محاطة بأقطاب من أقصى اليمين، ممن لم يحملوا سلاحًا قط، ويتعاملون مع الجيش كخصم لا كشريك.
ورغم أن زامير لا يُخفي رغبته في توجيه ضربة قاصمة لحماس، إلا أن نبرته الواقعية تكشف أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، برغم تغيّر وجوه قادتها، لا تملك عصًا سحرية للخروج من المستنقع الذي رسمته القيادة السياسية.
"أزمة غير مسبوقة"
وفي هذا السياق، يواجه جيش الاحتلال أزمة نقص في القوات غير مسبوقة منذ عقود، إذ توقف أكثر من 100 ألف جندي في الاحتياط عن أداء الخدمة، بينما يرفض بعضهم الانخراط في الحرب لأسباب وصفوها بـ"الأخلاقية"، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن نسبة جنود الاحتياط الذين يلتحقون بالوحدات القتالية تصل إلى ما بين 60 - 70% في أحسن الحالات، وقد تم إبلاغ نتنياهو وكبار الوزراء بذلك بالكامل.
وقال مسؤول عسكري للصحيفة إن هناك قلقًا من أن هذه النسب لن تتحسن إذا شنّ هجوم أوسع في غزة.
وذكرت مجلة 972 الإسرائيلية أن الأرقام المتداولة حول عدد جنود الاحتياط المستعدين للخدمة العسكرية غير دقيقة، مشيرة إلى أن النسبة الحقيقية أقرب إلى 60% فقط، بينما تتحدث تقارير أخرى عن نسبة تحوم حول 50%.
وكان 970 من جنود الاحتياط الحاليين والسابقين في سلاح الجو الإسرائيلي قد نشروا رسالة تدعو إلى إعادة جميع الأسرى الإسرائيليين من غزة، حتى لو على حساب إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف.
وقالت صحيفة "هآرتس" العبرية إن 1600 من قدامى المحاربين في سلاحي المظلات والمشاة في "إسرائيل" وقعوا رسالة تطالب بإعادة المحتجزين في قطاع غزة ووقف الحرب.
من جهتها، ذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن أكثر من 250 عضوًا سابقًا في الموساد أعلنوا دعمهم لرسالة المحاربين القدامى لإنهاء الحرب، ودعوا لإعطاء الأولوية لإعادة الأسرى المحتجزين لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
إضافة إلى ذلك، قالت إذاعة جيش الاحتلال إن أكثر من 170 خريجًا من برنامج تابع للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وقعوا رسالة تطالب باستعادة الأسرى من خلال إنهاء الحرب.
ونشرت مساء الخميس عريضة أخرى وقّعها العشرات من أطباء الاحتياط في سلاح الطب تأييدًا لعريضة سلاح الجو، وكذلك الحال في سلاحي المدرعات والاستخبارات، حيث نُشرت تقارير عن عريضة يجري التوقيع عليها.
وذكرت القناة 13 أن المئات من جنود الاحتياط في وحدة الاستخبارات 8200 ينضمون إلى العريضة الاحتجاجية بشأن عودة الحرب على غزة.
كما ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن نحو ألفي عضو من الهيئة الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي وقّعوا على عريضة تطالب بإنهاء الحرب على غزة وإعادة الأسرى.
"ضغوط متصاعدة"
والخميس الماضي، صدّق زامير على قرار فصل قادة كبار ونحو ألف جندي احتياط من الخدمة، وذلك بعد توقيعهم على رسالة تدعو إلى إنهاء حرب غزة.
وأكد زامير أن توقيع هؤلاء الجنود على العريضة يُعتبر أمرًا خطيرًا، مشيرًا إلى أنه لا يمكن للمجندين في القواعد العسكرية التوقيع على رسائل ضد الحرب ثم العودة إلى الخدمة.
وفي مطلع مارس/آذار الماضي، كشف تقرير للمحلل العسكري يوآف زيتون، في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن الصعوبات التي يواجهها الجيش، منها نقص القوى البشرية، والضغوط التشغيلية والنفسية، والتحديات اللوجستية التي تهدد قدرته على الحفاظ على استقرار الجبهات المختلفة.
واعترف زيتون بأن جيش الاحتلال خسر أكثر من 12 ألف جندي منذ بداية الحرب الأخيرة على غزة، بين قتلى وجرحى. بالإضافة إلى ذلك، فإن الزيادة في عدد القوات المطلوبة للدفاع عن الحدود، وتوسيع الوحدات العسكرية مثل وحدات المدرعات والهندسة، أدت إلى عجز كبير في عدد الجنود المتاحين.
وترتكب حكومة الاحتلال، بدعم أميركي مطلق منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، جرائم إبادة جماعية في غزة خلّفت أكثر من 167 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى ما يزيد على 11 ألف مفقود.