خاص/ شهاب
قال الخبير المقدسي زياد ابحيص إن الاحتلال الصهيوني لم يدخر جهدًا في استثمار تقاطع عيد الفصح اليهودي مع أحد الشعانين المسيحي، لتوظيف هذا التقاطع كمناسبة لاستعراض إيمانه بإلغاء كل ما يخالفه وكل من يخالفه، فاختار ليلة أحد الشعانين تحديدًا لقصف المستشفى المعمداني في غزة.
وبيّن ابحيص في تصريح صحفي خاص لوكالة "شهاب" أن المستشفى المعمداني يتبع للكنيسة الأنجليكانية، وهي من الكنائس البروتستانتية المنتشرة في الغرب والولايات المتحدة.
وأضاف ابحيص أن الاحتلال الصهيوني قصف المعمداني ليقول لنا وللعالم: لا حدود لقدرتنا على القتل، ولا قيود على إجرامنا، فنحن نستطيع ضرب المؤسسة المسيحية الأقرب للغرب، وفي ليلة واحدة من أقدس مناسباتها، كشكل من أشكال إثبات التفوق المطلق.
وتابع: ليس بعيدًا عن ذلك، فقد جاءت إراقة هذا الدم بهذه الطريقة الاستثنائية في إجرامها احتفاءً بفصحهم العبري، بتقديم الدم الفلسطيني قربانًا، تحديدًا في المناسبة التاريخية التي لطالما حامت حولها الروايات بأنها لم تكن لتكتمل دون خلط فطير الفصح بدم طفل من "الأغيار"، وهذا ما حصل بالضبط بالأمس في المستشفى المعمداني. فقد كرّست الصهيونية عمليًا، وبيدها، تهمة لطالما عمل يهود العالم على نفيها.
وأضاف: "كأنها بهذه المفارقة تكرّس حقيقة ساطعة بأن الصهيونية شر مطلق، من أي زاوية نظرت لها".
وواصل ابحيص حديثه قائلاً: لا تنتهي تجليات الإلغاء هنا، ففي يوم أحد الشعانين فُرضت على المسيحيين القيود ذاتها التي فُرضت على المسلمين في رمضان، من خلال منع دخول المصلين من الضفة الغربية إلى القدس، وإغلاق مداخل البلدة القديمة، والتضييق على الوصول إلى كنيسة القيامة. وقد جاء جزء كبير من هذه الإجراءات نتيجة لحصار المسجد الأقصى والاستفراد به لتسهيل اقتحامه.
وأشار إلى أن ما سبق كله ليس إلا الافتتاحية، فبدءًا من الغد، وعلى مدى أسبوع كامل، سيبدأ متطرفو الصهاينة الذين يحتفون بالفصح العبري – وبالتزامن مع اقتحامهم للأقصى وعدوانهم عليه – بالاعتداء على المسيحيين الذين يمرون بـ"درب الآلام"، بالبصق والشتم والضرب وإحراق الكنائس والأديرة، كما يحدث في كل عام. فهم يعتبرون هذه الأذية مدخلًا لرضى الرب والتقرب إليه، لا لأنهم يظنون أنهم بذلك يدعون أولئك المسيحيين لاعتناق اليهودية باعتبارها الإيمان الصحيح – فاليهودية ديانة مغلقة نادرًا ما تستقبل المتحولين إليها – بل لأن أذيتهم، مجرد الأذية، هي ما يُرضي الرب!
وأضاف: لا يبدو بعيدًا عن التفكير هنا أن من يؤمن بهكذا فكرة، ويُلبس التشفي والثأر الغرائزي من مخالفيه لباس "مرضاة الرب"، هو في المحصلة ليس إلا عابدًا لذاته، مقدسًا لأهوائها. وهذه هي الصهيونية في أبهى تجلياتها... عبادة الجماعة الصهيونية لذاتها، خليط عجيب من الدين والقومية وأفكار التفوق العرقي المطلق.
واستدرك ابحيص: طبعًا، من سيبادرون غدًا، وعلى مدى الأيام القادمة، للاعتداء على المسيحيين في البلدة القديمة وفي جوارها من الكنائس والأديرة، هم في معظمهم أتباع منظمة "لاهافا"، وهي منظمة تدعو إلى "النقاء العرقي اليهودي"، ومنع الزواج المختلط، وطرد المسيحيين من فلسطين. وكان إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الحالي المسؤول عن شرطة الاحتلال، أحد مؤسسيها بل ورئيسها الأول.
وبيّن أن هذه الممارسات، التي كانت الصهيونية تحاول التبرؤ منها بوصفها "حالات متطرفة" على هامشها، باتت اليوم هي قوى المركز الصهيوني. وهكذا باتت الصهيونية أكثر اتساقًا مع ذاتها، فقد أصبح مضمونها وشكلها متطابقين، وانتفى عنها القناع العلماني الأوروبي الذي كانت ترتديه في العقود الأولى من عمر كيانها، وبتنا نراها، ويراه العالم كما هي، أيديولوجيا لا يصلح معها إلا إفناؤها، باعتبارها شرًا مطلقًا علينا وعلى البشرية بأسرها، بل وشرًا مطلقًا على اليهودية بذاتها، إذ تعيد إنتاج عزلتها.