قائمة الموقع

من دروس قادة التحرير  

2025-04-24T11:31:00+03:00
من دروس قادة التحرير  

ـــــــــــــــــــــــــــــــ  د. محمد إبراهيم المدهون 
 
لقد قام جيل قادة التحرير بأداء دورهم كقادة لحركة تحرر وطني في فلسطين الجريحة على أكمل وجه، واستشهدوا تطبيقًا لنهجهم ومسارهم. فالتفّت القلوب حولهم رغم فداحة الثمن وعمق الجراح، وآمنت بفدائيتهم وسارت على دربهم. وخير دليل على ذلك جماهير غزة المحترقة بنار الظلم والاحتلال، ونبض القدس والضفة المكبّلة، والجماهير في العالم التي تخفق قلوبها حبًّا وكرامة. وما تزال غزة المكلومة تواصل طريقهم في فلسطين الشهادة، حدّ المحرقة. والذين آمنوا بنهجهم من الطلائع الواعية، من ذوي البصائر وأصحاب الانتماء الوطني الراسخ، لا عجب في وفائهم؛ فقد كان عهدهم بهؤلاء المعلّمين الشهداء طويلًا، إذ لطالما تثقّفوا من منهجهم، وتدارسوا سيرتهم، وتعلّموا من تضحيتهم سلوك الوطنية الأمثل بالفدائية والاستبسال، حتى انصهرت أجسادهم وأجساد أهليهم في هذا الطريق. 
قدّم قادة التحرير في فلسطين، من خلال تجربتهم الطويلة، منهاجًا عمليًا في التعامل الفدائي والمبادر مع القضية، وتحريكها باتجاه الهدف الاستراتيجي للتحرير والعودة. ويمكن استخلاص أهم سمات هذا المنهاج في النقاط التالية: 

أولًا: إنّ شعب فلسطين لم يعد بحاجة إلى المزيد من التوعية أو المهام الفكرية، بل يحتاج إلى قادة يعيشون المغامرة ويتعايشون مع الشعب في علاقة حب متبادلة؛ فالقائد الذي يمنح الشعب قلبه، يجده سخِيًّا في منحه الولاء والحب، رغم فداحة الثمن. يُعطي الروح والجسد والولد والبيت، وليس بعد ما تقدمه غزة من تضحيات تَضحية. وتضحية القادة هي التعبير الواقعي عن مصداقية القيادة وجدارتها في رسم الطريق للشعب والتفاعل معه. 

ثانيًا: لقد استطاع قادة التحرير أن يُدركوا معنى الوطنية بأنها تضحية، ولأنهم فهِموها بعمق ودقة، فقد تمكنوا من التأثير في وقت قصير في قلوب الناس. والشعب يريد القائد الذي يتقدّمه، يراه ويراه بلا حجاب أو ستار. إنّه يريد قيادة ميدانية تتقدم الصفوف بشجاعة؛ فتفاعل القائد هو الشرط الأول في القائد الفدائي، وهو أبرز معالم القائد الوطني الذي تحتاجه فلسطين. عندئذٍ، تبادر الجماهير إلى فعل كل ما يُراد منها، فتُحوِّل إيماءته إلى موقف، وإشارته إلى فعل، وكلماته إلى تيار، وصورته إلى إلهام. 

ثالثًا: إنّ غزة لم تعد بحاجة إلى المزيد من التوعية والتنضيج، فهي واعية وناضجة بما فيه الكفاية. وهل هناك نضج ووعي أكثر من إرادة الثورة والتضحية حتى الطوفان والمحرقة؟! وقد أدرك قادة التحرير هذه الحقيقة، وعملوا على أساسها؛ فركّزوا على ثقافة الثورة لا ثورة الثقافة، وعلى ثقافة الفعل لا الفعل الثقافي. وهذا ما يدعونا إلى التقييم الدائم لمعرفة مستوى النضج والوعي على أسس موضوعية، تُقدّر درجة الوعي الجماهيري وتُقيّم نقاط التحوّل التاريخي في مسارات التحرير. 

رابعًا: يخطئ من يظن أنّ الشعب يتعب أو يُرهَق بطول السير، فهو يتجدّد مع الأيام، ويتمرد على الجراح والأحزان، بل إنه قادر على أن يبدع القوة؛ يجمع الأشلاء ليحوّلها إلى عملاق مقاوم يتحدى، ويؤلف من دموع المحنة نشيدًا متحديًا، ويحوّل الآهات إلى صرخة ثورة. وهذا ما بيّنه القادة الشهداء في مسيرة عطائهم السخية. وسيأتي من بعدهم روّاد مدرستهم الفدائية، ليسيروا في هذا الاتجاه، ويحققوا تحريرًا تاريخيًا تشهد له أرض فلسطين بجماهيرها، ونخيلها، وزيتونها، ومساجدها، وكنائسها، ولا حاجة بعد ذلك لمزيد من الشهود. 

خامسًا: كان قادة التحرير، وكما يُفهم من سيرتهم ونضالهم وتجربتهم، ومن بعض أحاديثهم الخاصة، يؤمنون بضرورة المبادرة القيادية حينما تكون منسجمة مع الحكم الشرعي وتحقق المسار الاستراتيجي للتحرير. وكانوا يرون في العمل الدؤوب الضمانة الحقيقية للمواصلة والاستمرار، ويرفضون تعقيد مشروع التحرير بالدراسات المستفيضة التي تقتله بحثًا ونقاشًا. فإذا ما خرج إلى شمس الواقع، خرج مُتعبًا وأرمد من كثرة ما أرهقه سهرُ النقاش. وهم في ذلك يؤمنون بأهمية التحرك والفعل الجماهيري؛ فالقدس، في فلسفتهم التحررية، ليست موضوعًا للنقاش والتأمل، بل هي قوة تفجيرية هائلة بحاجة إلى استثمار وتحريك باتجاه الهدف المطلوب، ولا يُحرّك هذه القوة قائدُ النظرية فقط، بل قائد التطبيق الجريء. 

ويمكن الإيجاز: إنّ قادة التحرير مثّلوا حالة فريدة في العمل الفدائي، ومدرسة في الموقف القيادي، وكان سلوكهم رائدًا في العمل الاستشهادي الذي وُلد من رحم معاناة السجن الطويل، بإرادة الله تعالى، ليُحدث تغييرًا حقيقيًا في مرتكزات الثورة نحو التحرير.

وأُخالف من يقول إنهم لغير عصرهم؛ فقد صنع قادة التحرير العصر الذي يريدون، وإذا بالشعب في غزة الذبيحة أولًا، وفي فلسطين والعالم ثانيًا، يفتح عينيه ليجد رافدًا جديدًا من العمل الفدائي الثوري الاستشهادي الرائد الأنموذج. 

سلام عليكم، سادتي الشهداء، قادة التحرير في فلسطين الذبيحة، وأنتم تعبّدون طريق القدس بدمائكم الطاهرة...

اخبار ذات صلة