زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الشرق الأوسط تعيد صياغة المشهد الإقليمي بلغة الصفقات الجافة، فيما يواصل الشعب الفلسطيني نزفه تحت نيران الاحتلال والحصار. ليست غزة تفصيلًا على هامش أجندة ترمب، بل ساحة اختبار للصفقة الكبرى التي تحاول واشنطن فرضها: هدنة مقابل الخضوع، إعمار مشروط، ومقاومة منزعة السلاح. وبينما تتوه القضية الفلسطينية في زحام المبادرات الوهمية، تغيب الرؤية الوطنية الواحدة القادرة على تحويل طوفان الدم إلى مشروع تحرري يعيد الاعتبار للمقاومة كخيار جامع. ترمب لا يحمل لفلسطين إلا صفقات بمذاق الدم، والمخرج ليس في واشنطن، بل في استعادة الوحدة الوطنية وتثبيت معادلة الحقوق أولًا... لا إدارة محرقة غزة.
زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنطقة، في أول جولة خارجية بعد إعادة انتخابه، ليست مجرد بروتوكول ديبلوماسي، بل إعلان صريح عن مرحلة جديدة تتقدم فيها الصفقات على حساب العدالة، وتُدار القضايا الكبرى بمنطق السوق لا بمنطق الحقوق.
ترامب، مدفوعًا بشهوة جائزة نوبل والسيطرة الاقتصادية ومواجهة تمدد الصين، يعيد رسم خارطة الشرق الأوسط من بوابة صفقات مليارية مع السعودية والإمارات وقطر، تمتد من الطاقة إلى الأمن والتقنيات، في محاولة لترميم النفوذ الأميركي المتآكل. لكن وسط هذه الهندسة الجديدة للمنطقة، يحاول ترامب أن يقفز على الحقيقة العارية: أن فلسطين تحت الاحتلال، وغزة تحت المحرقة.
من خلف الكواليس، تُطبخ ترتيبات أمنية وإنسانية هشة تُسوّق كصفقات إنقاذ، لكنها في جوهرها ليست إلا وصفة لإدارة الأزمة وتثبيت معادلة الردع على الأرض، لا كسرها. تدور أحاديث عن "صفقة إنسانية" تبدأ بإطلاق جندي أميركي مقابل مساعدات مشروطة، وقد تنتهي بفرض تهدئة طويلة الأمد تُخضع غزة وترمي بسلاحها في البحر. إنها ليست تسوية، بل إعادة إنتاج الاحتلال بأدوات أكثر نعومة، وتطبيع المعاناة تحت شعارات إنسانية زائفة.
أما الحديث المتكرر عن "دولة فلسطينية" فهو خطاب أجوف لا يتجاوز كونه غطاءً لفظيًا لتسويق التطبيع المجاني الذي يرفضه نتنياهو صراحة، بينما يستثمره ترامب دعائيًا ليغسل يديه من القضية.
وفي ظل غياب القيادة الوطنية الموحدة، تُدار القضية الفلسطينية في أسوأ ظروفها التاريخية: تائهة بين مشروعين عاجزين؛ أحدهما يراهن على خيالات التحرير الصافي، والآخر يقبل بحكم ذاتي منزوع السيادة تحت التنسيق الأمني.
الحل ليس في واشنطن... بل في فلسطين نفسها
الحل الحقيقي لا يُنتظر من طاولات البيت الأبيض، بل من عمق الأرض الفلسطينية، من غزة ورام الله والقدس والشتات. ما تحتاجه فلسطين اليوم هو رؤية وطنية جديدة، تتجاوز الانقسام وأوهام التسوية، وتؤسس لمشروع تحرري شامل متدرج، يقوم على وحدة وطنية صلبة تُعيد بناء المنظمة والسلطة على أساس مقاومة الاحتلال، لا إدارة أزماته.
مشروع يتقاطع فيه النضال السياسي، الدبلوماسي، القانوني، الإعلامي، والمقاوم، ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، لا أزمة إنسانية قابلة للإدارة.
غزة لا تحتاج "حلاً اقتصادياً" أو "تهدئة مشروطة"، بل كسر الحصار الكامل، وإعادة إعمارها تحت إدارة وطنية فلسطينية مستقلة لا تخضع للابتزاز السياسي ولا لإملاءات المانحين.
أما العرب، وفي مقدمتهم السعودية، فعليهم اليوم أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية، وأن يخرجوا من خانة الصمت إلى شركاء فاعلين في حماية القضية ومنع تصفيتها، باستخدام أوراق الضغط السياسي والاقتصادي لمنع فرض الحلول الأميركية الاستعمارية.
القضية الفلسطينية اليوم على مفترق طرق حاسم: إما أن تُستعاد كقضية تحرر وطني شاملة، أو تُدفن تحت ركام المبادرات الوهمية وصفقات الاستسلام. الخيار ليس في يد ترامب ولا في يد نتنياهو، بل في يد الفلسطينيين أنفسهم، وإطفاء نار محرقة غزة العنوان.
بينما يحاول ترمب فرض صفقات جديدة على حساب الدم الفلسطيني، تبقى الحقيقة واضحة: لا حل إلا عبر توحيد الصف الفلسطيني على أساس برنامج وطني متكامل. الحل ليس في التسويات المؤقتة أو الضغوط الدولية، بل في تحرير غزة من الاحتلال، إطفاء نار المحرقة، رفع الحصار، وإعادة الإعمار تحت قيادة وطنية مستقلة. وعلى العرب أن يكونوا شركاء فاعلين في حماية القضية الفلسطينية وليس متفرجين.