خاص _ حمزة عماد
في الذكرى السابعة والسبعين للنكبة الفلسطينية، مازالت معاناة الشعب الفلسطيني تتجدد، ليس كحدث مضى، إنما كواقع مستمر يعصف بحياة الملايين، ففي حين يستذكر العالم تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم عام 1948، يعيش أهالي قطاع غزة اليوم نكبة متواصلة، على وقع القصف والدمار والحصار الخانق، في حرب أرهقت البشر والحجر وتجاوزت كافة القوانين والمعاهدات الدولية.
منذ شهور، تتعرض غزة لحرب متواصلة خلفت آلاف الشهداء والجرحى، وأدت إلى نزوح جماعي داخلي متكرر، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور التهجير الأولى، ولكن بأدوات أكثر دمارًا، ومعاناة إنسانية متفاقمة أمام أعين العالم.
نكبتان في عُمر رجل واحد
في خيمة مهترئة يجلس الحاج أبو تيسير الفيراني، شيخٌ جاوز الثمانين من عمره، يحمل بين تجاعيد وجهه حكاية وطن جُرِّد من حقه، وقلبًا ما زال ينبض بألم نكبتين.
سمع أبو تيسير تفاصيل النكبة الأولى عام 1948 من والده، حيث كان طفلًا يعيش بأمّ عينيه تفاصيل المخيمات الفلسطينية تحديدًا بعدما اقتلع الاحتلال الصهيوني الناس من أرضهم، لم تكن حكايات التهجير والنار والدماء من نسج الخيال، بل مشاهد محفورة في ذاكرته كأنها وقعت البارحة.
لكنه لم يكن يتصور يومًا أن يعيش نكبة أخرى، أقسى وأطول مما الذي كان يتخيلها، يقول أبو محمد خلال حديثه لـ "شهاب" بصوتٍ واهن وقلبٍ مشتعل: "سمعنا من آبائنا وأجدادنا عن النكبة، لكننا اليوم نعيشها من جديد، والفرق أن ما رأيناه لم يحدث مع أحد سوانا، إنها نكبة مستمرة، بلا توقف، بلا رحمة".
الحرب في غزة دخلت شهرها التاسع عشر، وأبو تيسير يرى يوميًا في أحفاده ما رآه والده فيه: أطفال يركضون تحت القصف، أمهات يبحثن عن جثث أبنائهن، وشيوخ يدفنون أولادهم قبل أن يدفنهم أحد، متابعًا حديثه "النكبة تعود، ولكن هذه المرة بصمت العالم كله.. جبروت الاحتلال واضح، وخذلان القريب أشدّ مضاضةً من نيران العدو".
يشير أبو تيسير إلى أن صرخات أهل غزة لا تجد من يسمعها، كأن العالم كله قرر أن يغلق عينيه ويصُمّ أذنيه "نحن نعيش الخذلان الحقيقي، لا دواء، لا غذاء، لا أمل، فقط الحصار والقصف والموت الذي لا يفرق بين أحد".
حين يتحدث الفيراني عن ظروف الناس في غزة، تتساقط كلماته كأنها دموع: "كأن الحديث الذي قاله لي أبي عن النكبة يحدث الآن أمامي، لكننا هذه المرة وحدنا تمامًا".
في خيمة الألم
وسط ركام الذكريات، تجلس ام حسن الزعانين، السبعينية، على عتبة خيمتها في منطقة غرب غزة، حيث لم يتبقَّ لها من الحياة القديمة سوى حكايات تختلط فيها الدموع بالصمود.
كانت تملك بيتًا وأراضي زراعية، كانت أمًا وجدةً وسيدة بيتٍ يعجّ بالحياة، حتى جاءت الحرب، فاختطفت منها أعز ما تملك: ابنًا، حفيدًا، ابنةً، ومنزلًا، ولم تكتفِ، بل جرّفت الأرض التي طالما زرعوها معًا.
في حديثها لوكالة "شهاب"، لم تُخفِ "إم حسن" حزنها وهي تربط بين نكبتها اليوم، ونكبة عام 1948 التي كانت تسمع عنها من والديها تقول: "كنا نسمع ما حدث مع أبائنا وأمهاتنا.. هاي هي المشاهد تحدث أمامنا، وأصعب منها".
وتتابع حديثها "الخيام أصبحت بيوتًا، والألم على أبواب التكايا وطوابير الماء مشهدٌ يومي، والاحتلال لا يزال يتفنن في العدوان، كأن التاريخ يعيد نفسه على نحوٍ أشد قسوة".
وتقول الزعانين: "نحن نعيش نكبة وراء نكبة، لكننا لا ننكسر، مثل ما صار في 48، بنعيش نفس المشاهد، بس أصعب، ما في أكل، ما في بيت، والعالم كله ساكت".
رغم الألم، لا تفارقها نبرة التحدي، بصوتٍ مليء بالإيمان بالأرض، تقول: "لو صار مية نكبة، احنا أصحاب الأرض، وصامدون، وما راح نركع".
تختم كلماتها بكبرياء يليق بأم قدمت من دمها وروحها: "قدمنا أولادنا وبيوتنا وكل شيء لفلسطين، وما راح نبخل عليها بشيء".
في الخيام الصغيرة، لا يزال الفلسطيني في قطاع غزة يتمسك بذاكرة الأرض، ويحفر بصبره عناوين البقاء: "هنا كنا، وهنا سنبقى".