تقرير - شهاب
يشهد قطاع غزة تصعيدًا غير مسبوق في العمليات العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اليومين الماضيين، حيث ارتفعت وتيرة الغارات بشكل جنوني، مما أدى إلى ارتقاء مئات الشهداء والجرحى، معظمهم من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
ومنذ فجر اليوم، ارتقى 103 مواطنين فلسطينيين، نتيجة الغارات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مناطق متفرقة في القطاع، أبرزها خان يونس جنوبًا وجباليا شمالًا، وأمس ارتقى أكثر من 80 فلسطينيًا، 58 منهم في مدينة غزة وشمال القطاع، جراء الغارات الجوية العنيفة المتواصلة.
تصاعد المجازر خلال اليوميين الماضيين، جاء أثناء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يقود محادثات مكثفة للوصول لاتفاق وقف لإطلاق النار في القطاع الذي يعاني الأمرين تحت نار الجوع والقصف والموت.
كما نددت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بالمجازر الأخيرة في القطاع، وقالت إن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسارع إلى تصعيد العدوان ضد المدنيين الأبرياء، لتقويض الجهود التي يبذلها الوسطاء حاليا للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإنجاز صفقة لتبادل الأسرى.
ويواجه قطاع غزة مستوى كارثي من خطر المجاعة، بعد 19 شهرًا من الحرب وأكثر من شهرين من المنع التام لدخول المساعدات، واستخدام الاحتلال الغذاء سلاحا في الحرب ومنع دخول المساعدات إلى القطاع المحاصر.
"المجازر متواصلة"
المتحدث الرسمي باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، قال إن أكثر من 100 مواطن فلسطيني ارتقوا منذ فجر اليوم الخميس، من بينهم عائلة شهاب بمنطقة جباليا، التي مُسحت من السجل المدني، بعد استشهاد الأب والأم وأطفالهم.
وأضاف أن 15 فلسطينياً استشهدوا جراء مجزرة كبيرة إثر استهداف عيادة التوبة الصحية بمنطقة الفاخورة بمخيم جباليا شمالي القطاع، مشيرًا إلى أن مستشفى الإندونيسي في شمال القطاع استقبل عددا كبيرا من الشهداء والمصابين، وقسم الطوارئ بالمشفى امتلأ نتيجة الاستهداف، مرجحًا أن أعداد الشهداء مرجحة للارتفاع في القطاع جراء الإصابات الحرجة.
وتركزت الغارات على شمال قطاع غزة، وخصوصًا منطقة تل الزعتر في مخيم جباليا، التي تعرضت لقصف جوي إسرائيلي عنيف جداً ومكثف منذ صباح اليوم، ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء والجرحى وتدمير مربع سكني كامل وأضرار مادية بالغة في مستشفيات الاندونيسي والعودة المتواجدة بالمنطقة التي استهدفت حتى الآن بأكثر من 10 صواريخ.
كما تركزت الغارات الأخيرة على مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث طال القصف أكثر من 10 منازل مأهولة بالسكان وخياماً للنازحين، ما أسفر عن استشهاد العشرات وإصابة نحو 100 غالبيتهم من الأطفال والنساء.
وكان من بين الشهداء الصحفي حسن سمور، الذي كان يعمل مذيعًا ومعدًا للبرامج في إذاعة صوت الأقصى المحلية، والذي ارتقى مع 11 فرداً من عائلته عندما قُصف منزلهم.
وذكرت مصادر محلية وسط القطاع عن قصف استهدف منزلاً في دير البلح، وسلسلة من الغارات العنيفة على مدينة غزة، استهدفت إحداها شقة سكنية في حي النصر.
كما أعلنت وزارة الصحة في غزة، عن خروج المستشفى الأوروبي عن الخدمة، فيما قال شهود عيان إن ممرات مستشفى ناصر مكتظة بالجرحى، وإن مشرحة الجثث ممتلئة.
وقالت الوزارة إن خروج المستشفى الأوروبي عن الخدمة نتيجة الاستهدافات الأخيرة التي طالت البنية التحتية والأقسام الداخلية والطرق المؤدية إلى المستشفى، مضيفة أن "الاستهداف المتكرر للمستشفى يستحيل معه تقديم الرعاية الطبية".
وأكدت على أن المستشفى الأوروبي هو الوحيد في القطاع الذي يقدم المتابعة الطبية لمرضى السرطان، بعد تدمير مستشفى الصداقة التركي، ما يعني "حرمان مرضى السرطان من متابعة البروتوكولات العلاجية ومضاعفة أوضاعهم الصحية".
"قتل الحياة بغزة"
ومن جانبه، وصف الخبير العسكري والأمني رامي أبو زبيدة أوامر الإخلاء المتكررة التي تشهدها مناطق عمق غزة وخان يونس، خاصةً مع استمرار القصف الوحشي على المناطق المدنية، بأنها "مؤشر واضح على نهج الاحتلال الإسرائيلي الرامي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وفرض واقع إنساني كارثي".
وأكد أبو زبيدة في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن "هذه الإجراءات ليست إخلاءات تكتيكية لحماية المدنيين، بل تُعد جزءًا من استراتيجية متعددة الأهداف، تبدأ بخلق فوضى مُمنهجة في عمق غزة، وتمرير رسائل نفسية لتحطيم صمود السكان، وصولًا إلى فرض خريطة تهجير جديدة تدفع آلاف النازحين إلى مناطق غير آمنة أو مؤهلة لاستقبالهم، مما يُفاقم الأزمة الإنسانية".
وأشار أبو زبيدة إلى أن "استمرار القصف الإسرائيلي حتى بعد تنفيذ المدنيين لأوامر الإخلاء يُثبت أن الهدف الحقيقي هو تدمير البنية التحتية ومراكز الحياة المدنية، بما يتناقض صراحةً مع ادعاءات الاحتلال باتباع إجراءات لحماية المدنيين"، مضيفًا: "إسرائيل تريد تدمير غزة بكل مكوناتها، وليس لديها نية لحماية الأبرياء".
وحول تصاعد وتيرة الاغتيالات والغارات على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، أوضح أبو زبيدة أن "هذا التصعيد يعكس قرارًا سياسيًا وعسكريًا إسرائيليًا باتباع أسلوب الصدمة والإرهاب، عبر قصف متدرج يتبعه ضربات مكثفة لفرض نزوح جماعي"، مشيرًا إلى أن "هذه الحملات لا تستهدف أهدافًا عسكرية نوعية بقدر ما تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين عبر الضغط النفسي والمادي".
ولفت الخبير العسكري إلى أن "الإحصاءات اليومية للشهداء تُظهر أن الغالبية العظمى منهم من الأطفال والنساء والعزل، مما يؤكد طبيعة الهجمات غير المبررة والتي تنتهك كل المواثيق الدولية".
وشدد أبو زبيدة على أن "ما يجري اليوم من استهداف للمدارس والمستشفيات والجامعات، إلى جانب أوامر الإخلاء المربكة، هو حرب نفسية مُكثفة تهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى الفلسطيني".
ودعا إلى "تعزيز الوعي الشعبي بأهداف هذه الاستراتيجية، لأن المعركة الحقيقية هي معركة إرادة ووعي، والاحتلال يدرك أن صمود الشعب هو أخطر ما يُواجهه".
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي، انقلابه على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي واستمر نحو شهرين بعد 471 يوما من الإبادة الجماعية.
وفجر الثلاثاء 18 مارس/ آذار، استأنف الاحتلال عدوانه الهمجي على القطاع بعشرات الغارات الجوية راح ضحيتها أكثر من 400 شهيد و500 مصاب خلال ساعات، معظمهم من الأطفال والنساء.
ومطلع مارس الماضي، انتهت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة التي استمرت 42 يوما، تخللها صفقة تبادل أسرى على عدة مراحل بين فصائل المقاومة و"إسرائيل" وانسحاب محدود لجيش الاحتلال تبعه عودة النازحين إلى بيوتهم المدمرة.
وتنصل الاحتلال من الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار التي كانت ستستمر 42 يوما وتتبعها مرحلة ثالثة بنفس المدة ليؤدي ذلك إلى وقف دائم لإطلاق النار والعدوان.