يتزايد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن خطة أمريكية-إسرائيلية مشتركة، ظاهرها "إدخال مساعدات إنسانية محدودة" إلى قطاع غزة، وباطنها إعادة إنتاج الحصار المفروض على أكثر من 2 مليون فلسطيني يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
بحسب معلومات، تسعى الخطة إلى تقنين سياسة التجويع تحت مسميات إنسانية جذابة، وإخراجها في قالب أكثر "نظافة" إعلاميًا، وذلك عبر إشراف مؤسسات دولية خاصة، تتولى توزيع الغذاء والدواء بآليات جديدة، لكنها تخفي في جوهرها مشروعًا لإخضاع السكان وإنهاكهم، تمهيدًا لاقتلاعهم وتهجيرهم.
وبحسب تقارير، تستعد مجموعة مدعومة من الولايات المتحدة للإشراف على استلام وتوزيع المساعدات على الفلسطينيين في قطاع غزة، بالتنسيق مع مكتب تنسيق المساعدات التابع للحكومة الإسرائيلية، في أربعة مسارات إنسانية تم التوافق على ثلاثة منها.
وستستخدم "المنظمة "مؤسسة غزة الخيرية" الأمريكية التي ستتولى الخطة لتوزيع المساعدات، شركات إغاثية تعمل في قطاع غزة، من أجل حصول الفلسطينيين على وجبة واحدة تحتوي على 1750 سعرة حرارية.
مؤسسة جديدة بدعم أمريكي
أُعلن عن تأسيس "مؤسسة غزة الخيرية" (GHF) في فبراير 2025، ومقرها جنيف، كمنظمة غير ربحية تهدف إلى توزيع المساعدات في غزة. تضم المؤسسة في قيادتها شخصيات من خلفيات إنسانية وعسكرية أمريكية، أبرزهم جيك وود، مؤسس فريق روبيكون ومحارب سابق في مشاة البحرية الأمريكية. تسعى المؤسسة للعمل كبديل للمنظمات الأممية التي تعرضت لهجمات وانتقادات من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
خطة التوزيع وآلية العمل
تعتزم المؤسسة بدء عملياتها من أربعة مواقع توزيع آمنة داخل غزة، ثلاثة في الجنوب وواحد في الوسط، مع خطط لتوسيع النشاط إلى الشمال. ستُستخدم شركات أمنية لنقل المساعدات من المعابر إلى مواقع التوزيع، حيث ستُوزع مباشرة على السكان عبر فرق إنسانية مدنية. كما تؤكد المؤسسة عدم مشاركة معلومات المستفيدين مع إسرائيل، وعدم وجود قوات إسرائيلية قرب مواقع التوزيع.
وقبل يوم من بدء تنفيذها، تواجه الخطة الجديدة لتوزيع المساعدات في قطاع غزة، تحت إشراف "مؤسسة غزة الخيرية" الأمريكية، سلسلة من العقبات التي تهدد جدواها، وسط رفض واضح من الأمم المتحدة التي وصفت النموذج الأمريكي بأنه يفتقر إلى الحياد والنزاهة، ووفقاً لموقع "زمان إسرائيل"، تواجه الخطة الجديدة عقبات من شأنها أن تجعل نجاحها صعباً، من بينها:
1. مؤسسات أمنية بلا خبرة إنسانية
الخطة الأمريكية تعتمد على شركتين خاصتين في الأمن واللوجستيات – "سيف ريتش سولوشنز" و"يو.جي سولوشنز" – يديرهما ضباط سابقون في الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية، دون خبرة ميدانية في المجال الإنساني أو معرفة بالسياق الفلسطيني.
ارتباط بعض المسؤولين التنفيذيين السابقين بشركة "بلاك ووتر" أثار تحفظات داخل المجتمع الإغاثي، ما دفع العديد من الجهات إلى رفض المشاركة في المشروع.
واشارت تقارير إلى أن شركة "سيف ريتش سولوشنز" أعلنت عن شغل وظائف على موقع لينكدإن، وذلك وفقاً لإعلانات الوظائف التي شاركها مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون مع موقع ميدل إيست آي.
وقالت الشركة إنها تبحث عن "ضباط اتصال إنساني" لكي "يعملوا كحلقات وصل حيوية بين فرقنا التشغيلية والمجتمع الإنساني الأوسع"، وفقاً لوصف وظيفي واحد.
2. غموض في التمويل وتضارب مصالح
لم توضح المؤسسة حتى الآن مصادر تمويل عملياتها، سواء في شراء الأغذية أو تسديد مستحقات الشركات المنفذة. تقارير عبرية كشفت عن تحركات لعقد صفقات مع شركات إسرائيلية لتوريد المواد، في خطوة اعتبرها مراقبون دمجاً بين المساعدات الإنسانية والمصالح التجارية للاحتلال.
3. قيود إسرائيلية تُغذي السوق السوداء
وبينما صرّح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، بأنه سيتم إدخال الحد الأدنى فقط من المساعدات الإغاثية المطلوبة، فإنه من المتوقع أن تؤدي هذه السياسة إلى تعزيز السوق السوداء وارتفاع كبير في الأسعار.
وقد يتحول صندوق طعام يزن 20 كيلوغراماً — مخصص لمدة أسبوع لأسرة واحدة — إلى سلعة ثمينة، وهدفاً للسرقة.
وقال دبلوماسي إسرائيلي كبير هذا الأسبوع: "إن المواطن الغزاوي الذي يمشي كيلومترات عديدة وهو يحمل 20 كيلوغراماً من المعدات على ظهره قد يتعرض للسرقة".
وأضاف أن فكرة حشد عشرات الآلاف من الأشخاص يومياً للوقوف في طوابير والحصول على الطعام هي "خطة مجنونة وغير منطقية".
وقال موقع "زمان إسرائيل" إن الحد من ظاهرة السوق السوداء لا يكمن في الحد من المساعدات، بل في توسيعها.
ما أبرز الانتقادات لنموذج تشغيل المؤسسة؟
وصف توم فليتشر، مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، المؤسسة بأنها "عرض جانبي ساخر"، في مداخلة له أمام مجلس الأمن الدولي قبل أيام. وحذرت الأمم المتحدة من حقيقة أن المواقع الأولية التي ستكون فقط في جنوب ووسط غزة يمكن أن يُنظر إليها على أنها تشجع على هدف إسرائيل المعلن المتمثل في إجبار جميع سكان القطاع على الخروج من شماله.
ويضيف فليتشر، أن الخطة المقترحة للمؤسسة "تفرض المزيد من النزوح، بما يعرض آلاف الأشخاص للأذى. وهي تقتصر المساعدات على جزء واحد فقط من غزة، بينما تترك الاحتياجات الملحة الأخرى دون تلبية. وتجعل المساعدات مشروطة بأهداف سياسية وعسكرية، والجوع ورقة مساومة".
رفض أممي وتحذيرات حقوقية
رأت "واشنطن بوست" أن هذه الخطة ستحد من قدرة وكالات الأمم المتحدة، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمات الإغاثة الدولية، على العمل داخل غزة، رغم أن إسرائيل لا تزال تأمل في إقناعهم بالانضمام إلى المشروع.
وتلتزم العديد من المنظمات الإنسانية بقواعد تُلزمها بتقديم المساعدات بشكل حيادي، أينما وُجدت الحاجة، دون تدخل أي جهات مسلحة من أي من الجانبين.
وفي مقابلات مع الصحيفة، أعرب ممثلو 10 منظمات إغاثة دولية كبرى تعمل في غزة عن مخاوف بشأن الخطة الإسرائيلية، بما في ذلك أن حصر توزيع المساعدات على عدد قليل من المراكز في جنوب القطاع سيكون تمييزياً، وسيؤدي إلى موجة جديدة من النزوح.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش قد أكد أن المنظمة لن تدعم هذه الخطة المقترحة، قائلاً إنها "لا تحترم المبادئ الإنسانية بشكل كامل".
وذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن "الأمين العام للأمم المتحدة، ومنسق الإغاثة الطارئة أكدا عدم مشاركتهما في أي مخطط لا تلتزم بمبادئ الاستقلالية والحياد".
وحث المكتب الأممي قادة العالم على استخدام نفوذهم لرفع الحصار الخانق عن قطاع غزة وإدخال المساعدات. وأضاف: "ما زالت فرقنا على الأرض في غزة، جاهزة لتوسيع نطاق تسليم الإمدادات والخدمات الحيوية من جديد، نملك مخزوناً كبيراً من المواد الجاهزة للدخول فور رفع الحصار".