كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني عن شهادات صادمة أدلى بها معتقلون من قطاع غزة، ممن تحتجزهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها ومعسكراتها، حيث وثّقت الشهادات، التي جُمعت عبر زيارات قانونية خلال الفترة الممتدة من أواخر أيار وحتى أوائل حزيران الجاري، حجم الانتهاكات الجسيمة التي وصفها المعتقلون بـ"الجحيم"، والسجون بـ"القبور".
وبحسب المعطيات الرسمية لإدارة سجون الاحتلال، بلغ عدد المعتقلين من غزة في السجون فقط حتى مطلع حزيران الجاري (2214 معتقلاً)، دون احتساب المحتجزين في المعسكرات العسكرية.
مواقع تعذيب
الإفادات التي تم جمعها وردت من معتقلين محتجزين في سجن النقب، ومعسكري عوفر وسديه تيمان، بالإضافة إلى قسم ركيفت الكائن أسفل سجن "نيتسان الرملة".
المعتقل (ع. ي)، المحتجز في قسم "ركيفت"، أفاد بتعرضه لتحقيق ميداني استمر ثماني ساعات عقب اعتقاله من مستشفى الشفاء في آذار/ مارس 2024، حيث ضُرب على رأسه بقضيب حديدي، ما خلّف جرحًا غائرًا ما تزال آثاره واضحة حتى اليوم. لاحقاً، خضع لتحقيق إضافي لمدة 16 يوماً في معسكر بغلاف غزة، استخدمت فيه أساليب تعذيب قاسية من بينها "تحقيق الديسكو" (الذي يعتمد على الضوضاء المفرطة)، والتحقيق العسكري، إضافة إلى سكب المياه على رأسه المصاب، ما تسبب في التهابات وقيح.
كما تعرّض في "عسقلان" لتعذيب شديد بأسلوب الشبح "الموزة"، حيث امتدت كل جولة تحقيق إلى 12 ساعة متواصلة، تسببت بإعادة فتح جرح الرأس. عوقب لاحقاً بالعزل الانفرادي لـ49 يوماً وتعرض لأساليب خداع بواسطة "العصافير". وقد بدت عليه علامات رعب شديد عند سؤاله عن ظروف "ركيفت"، مشيرًا إلى شتائم مستمرة، وعمليات قمع متكررة تشمل استخدام الغاز، وضرب الأصابع بشكل متعمد.
المعتقل (ى. أ)، المحتجز منذ كانون الثاني/ يناير، تعرض لتحقيق ميداني قصير ثم نُقل إلى "البركسات"، حيث بدأ التعذيب الحقيقي خلال "تحقيق الديسكو"، إذ تعرض للضرب المبرح والشبح، ما تسبب في فقدان وعيه مراراً، ونتج عنه خلع القيود عن يديه، ونتف شعره. لاحقاً، نُقل إلى معسكر "عوفر" ثم إلى "ركيفت"، حيث تواصل الاعتداء عليه بسبب معاناته من الأرق الناتج عن إصاباته، واشتكى من آلام حادة في الأضلاع، والكلى، ومشاكل في الأذنين والعيون، وكان في حالة بكاء شديد لدى حديثه عن ظروف الاعتقال.
المعتقل (أ. ي)، المعتقل منذ كانون الثاني/ يناير 2024، خضع لتحقيقين قاسيين استمرا ليومين، قبل نقله إلى ثكنة عسكرية داخل منزل في غزة، ثم إلى "البركسات" لمدة تسعة أيام. استخدم معه أسلوب الشبح على الكرسي لمدة 36 ساعة، وتعرّض لتحقيقات متعددة في سجن "عسقلان" شملت إجباره على الركوع لفترات طويلة والضرب على الركبتين. نُقل لاحقاً إلى زنازين "عوفر".
شهادات مروعة
المعتقل (ل. ع)، ضرير ومعتقل منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023 من منزله في غزة، أكد تعرضه في "النقب" لقمع جماعي شمل الضرب والاحتجاز في قفص لأكثر من 8 ساعات، ثم فرضت إدارة السجن عليهم عقوبات شملت منع الخروج لـ"الفورة". يعاني من أمراض مزمنة ولم يتلقّ أي علاج، كما فقد خلال الحرب زوجته، ثلاثة من أبنائه، اثنتين من حفيداته، وزوجة أخيه وأبناءهم.
المعتقل (ب. ة)، محتجز في "النقب" منذ 4 كانون الأول/ ديسمبر 2024، رغم إصابته الخطيرة في الظهر. بعد 15 يوماً من اعتقاله، خضع لعملية جراحية ثم أُعيد إلى السجن فوراً دون علاج كافٍ، وأفاد بتعرضه لتعذيب جسدي ونفسي وتجويع، حيث يضطر المعتقلون لجمع لقيمات الطعام وتناولها كوجبة واحدة في اليوم.
المعتقل (د. ت)، طبيب، تعرض لأزمة قلبية حادة في سجن "عوفر" بسبب التعذيب المفرط بعد الإفصاح عن مهنته، حيث أمره السجانون بالانحناء والركض، ولما عجز عن ذلك سُحل وضُرب، ثم عُزل لمدة 24 يوماً في زنزانة خالية من الحد الأدنى لمقومات الحياة الإنسانية.
تنكيل متواشصل
أفادت شهادات أخرى بتعرض المعتقلين في "النقب" لضرب مستمر، وتنكيل أثناء "العدد" الأمني والخروج إلى "الفورة". وأكد الأسرى انتشار أمراض مزمنة وأوبئة، أبرزها الجرب، دون أي شكل من أشكال الرعاية الطبية. كما تعاني مئات الحالات من الحرمان من العلاج، في ما يمكن تصنيفه ضمن "الجرائم الطبية الممنهجة".
وفي معسكر "عوفر"، وصف أحد المعتقلين الحياة داخل المعسكر بأنها "كالقبر"، حيث تُسحب الأغطية في النهار، وتُعطى ملابس مستعملة لا تُبدل إلا كل 4 أشهر، والطعام عبارة عن "لقيمات" لا تكفي، يجمعها المعتقلون لثلاثة أيام لتناولها دفعة واحدة. كما تُمنع المحادثات بين المعتقلين، ويستمر القمع والضرب بوحشية.
45 شهيدًا
أكدت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير أن هذه الإفادات تمثل توثيقًا لأبشع صور التعذيب والانتهاكات التي شهدتها سجون الاحتلال منذ بداية العدوان، حيث استُشهد 45 معتقلاً من غزة معروفو الهوية، ضمن 72 شهيدًا بين الأسرى والمعتقلين منذ الإبادة، في ظل استمرار احتجاز عشرات الشهداء الآخرين في إطار الإخفاء القسري.
وأكدت المؤسستان أن الاحتلال يواصل تنفيذ سياسات الإبادة والتنكيل بالمعتقلين، أمام مرأى ومسمع العالم، دون أي تدخل فاعل. وأشارتا إلى أن حالة العجز الحقوقي لم تعد مجرد وصف، بل تجاوزته إلى تساؤل عن جدوى وجود منظومة حقوقية دولية، في ظل استثناء الاحتلال الإسرائيلي من أي محاسبة أو مساءلة.