تقرير - شهاب
في واحدة من أكثر سياسات الاحتلال الإسرائيلي فتكًا بالنسيج المجتمعي الفلسطيني، تصاعدت خلال الحرب الجارية على قطاع غزة عمليات استهداف ممنهجة للمبادرين الاجتماعيين والعاملين في الجمعيات الخيرية، ما يكشف عن توجه إسرائيلي يسعى لتدمير ما تبقى من شبكات الدعم الأهلي والإنساني في القطاع المحاصر.
وخلال الأيام الأخيرة استهدف الاحتلال الإسرائيلي عددًا من المبادرين المجتمعين وموظفو الإغاثة بالجمعيات الخيرية الفلسطينية التي تعمل على تقديم الطعام والمأوى والرعاية الصحية والنفسية والمجتمعية في غزة، كان آخرهم الفنان الفلسطيني محمود شراب الذي قصفته طائرات الاحتلال بخان يونس جنوب القطاع.
وفق مراقبين، فإن هذا النمط من الاغتيال لا يمكن تفسيره عسكريًا، بل هو استهداف لروح المجتمع الغزي وقدرته على الصمود والتكافل، وضرب المبادرات الأهلية يعني تعميق العجز الإنساني، بعد أن لعبت الجمعيات الخيرية في غزة دورًا محوريًا في مواجهة الحصار المفروض على القطاع، حيث تحولت إلى بديل شبكي يقدم المأوى والطعام والرعاية والدعم النفسي، في ظل غياب الدعم الرسمي والمجتمع الدولي.
ويرى محللون، أن استهداف الفاعلين الاجتماعيين ليس جديدًا، لكنه تصاعد مؤخرًا ضمن سياسة "تجفيف حواضن الصمود"، وهذا استهداف مقصود للضمير الحي للمجتمع، وهو امتداد لسياسة الاحتلال في تجريم الإغاثة، كما حدث سابقًا مع مؤسسات في القدس والضفة.
كسر البنية المجتمعية
ويؤكد ناشطون فلسطينيون أن الاحتلال لا يكتفي بتدمير المؤسسات، بل يعمل على اغتيال "الفاعلين" داخل المجتمع المدني، ممن يشكّلون عصبًا للمبادرات الشعبية في ظل تقصير المؤسسات الدولية وتقاعس السلطة برام الله عن واجبها.
كما يُبدي ناشطون تخوفهم من أن تؤدي هذه السياسات إلى انهيار منظومة العمل الأهلي في غزة، التي كانت تُشكل صمام أمان اجتماعي في الأزمات، خصوصًا في ظل موجات النزوح الواسعة وغياب الموارد.
وتشير تقارير محلية إلى أن عشرات المؤسسات والجمعيات فقدت مقراتها، أو باتت عاجزة عن العمل بسبب استشهاد طواقمها أو تدمير بنيتها اللوجستية، فيما يواجه المتطوعون مخاطر يومية أثناء أداء مهامهم.
من جانبها، دعت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم استهداف النشطاء المدنيين والمؤسسات الإنسانية، معتبرة أن هذه الهجمات ترقى إلى جرائم حرب وتكشف عن نية مبيتة لتدمير المجتمع المدني الفلسطيني.
وقالت عدة منظمات حقوقية إن "المجتمع الدولي مطالب بكسر صمته، والتوقف عن التعامل مع جرائم الاحتلال باعتبارها أضرارًا جانبية"، مشيرة إلى أن "كل صاروخ يستهدف ناشطًا مجتمعيًا هو إعلان حرب على قيم الإنسانية والتكافل".
العمل الخيري في مرمى النيران
الناشط في العمل الإغاثي الإنساني محمد يوسف حسنة، قال إن العمل الخيري في قطاع غزة واصل أداء دوره الحيوي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، رغم الحصار الخانق والقصف المستمر، حيث تحركت المؤسسات الإنسانية، والفرق الشبابية، والمبادرات التطوعية، لتقديم الدعم للنازحين والمتضررين، وتوفير مقومات الصمود في وجه الكارثة المستمرة.
وأضاف حسنة، أن الجهود الخيرية لم تتوقف رغم إغلاق المعابر وقطع الطرق، حيث تمكّنت الكوادر الميدانية من إنشاء مخيمات الإيواء ومرافقها الخدمية، وترميم مستشفيات مدمرة، وإسناد الطواقم الطبية، ودعم البلديات، وتوفير المساعدات المنقذة للحياة، سواء من السوق المحلي رغم ندرته، أو من خلال قوافل المساعدات القادمة عبر مصر والأردن.
وأوضح حسنة أن الاحتلال الإسرائيلي تعامل مع النشاط الإنساني باعتباره "هدفًا أمنيًا"، حيث تعرّض العشرات من العاملين في الحقل الإنساني للاستهداف المباشر، ما أدى إلى استشهاد عدد كبير منهم أثناء تأدية واجبهم في الميدان.
وتابع: "الاحتلال يدرك جيدًا أهمية العمل الخيري في دعم الجبهة الداخلية الفلسطينية، ولذلك بات استهدافه أولوية عسكرية، بهدف إنهاك المجتمع وتفكيك شبكات الإسناد الأهلي"، مؤكدًا أن هذا الاستهداف لا يقتصر على الميدان فقط، بل يشمل أيضًا حربًا شرسة على التمويل الخارجي.
ولفت الناشط الإغاثي إلى أن "الاحتلال الإسرائيلي يمارس ضغوطًا متصاعدة على الحكومات الغربية والمؤسسات المالية لتعطيل أي دعم لغزة"، مردفًا أن اتهامات الإرهاب طالت عشرات المؤسسات الإنسانية في أوروبا، ما أدى إلى إغلاق بعضها، وتجميد حسابات، وتنفيذ مداهمات واعتقالات طالت موظفين ومتطوعين.
وكشف حسنة أن مسؤولين من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووزارة الخزانة الأمريكية أجروا "زيارات مكوكية لعدة دول إسلامية" للضغط باتجاه تشديد القيود على الجمعيات الخيرية التي تقدم خدمات إغاثية في غزة، وتعطيل تحويلاتها البنكية، والتضييق على أي حوالات مالية موجهة للقطاع.
ورغم هذه الظروف القاسية، شدد حسنة على أن العاملين في المجال الإنساني ما زالوا يواصلون مهامهم في ظروف شديدة الخطورة، وسط شح المواد وندرة السيولة النقدية، ما يجعل الاستمرار في العمل تحديًا يوميًا يتطلب شجاعة وإبداعًا في إيجاد الحلول.
وأكد أن "العمل الخيري في غزة ليس مجرد جهد إغاثي، بل هو شريان حياة يحافظ على ما تبقى من صمود الإنسان الفلسطيني، وهو ما يجعل استهدافه جزءًا من سياسة الاحتلال لكسر الإرادة المجتمعية في القطاع".
تصفية العمل الإنساني
بدوره، أكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، استشهاد أكثر من 1300 عامل إغاثي، من بينهم أكثر من 70 من الكوادر العاملة في تقديم الخدمات الإنسانية والمساعدات، في جرائم تؤكد تعمد الاحتلال تصفية العمل الإنساني في قطاع غزة، ضمن سياسة الإبادة الجماعية.
وقال الثوابتة: "يتعامل الاحتلال مع العاملين في القطاع الإنساني على أنهم أهداف عسكرية مشروعة، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية، إذ يستهدفهم بالقصف الجوي، ويعرقل وصولهم إلى أماكن الكوارث الإنسانية، كما يمنع دخول المساعدات، ويضع إجراءات تعسفية تفقد العمل الإنساني فعاليته، إضافة إلى الاعتقال والاحتجاز والإبعاد، بما في ذلك عمال إغاثة أجانب، كما حدث مع العاملين بالمطبخ المركزي العالمي عندما قام جيش الاحتلال باستهدافهم بشكل مباشر في مطلع إبريل/ نيسان 2024، ما أسفر عن مقتل سبعة موظفين يحملون جنسيات أجنبية، وأحدث ضجة عالمية أجبرت الاحتلال على فتح تحقيق بالواقعة".
وأضاف الثوابتة أن "العاملين في المجال الإنساني يواصلون تقديم خدمات إغاثية أساسية لإنقاذ حياة مئات آلاف المدنيين الذين يستهدفهم الاحتلال بالقتل والتجويع، وقاموا بإيصال المساعدات الغذائية والدوائية، في ظل القصف والحصار، وشغّلوا المستشفيات الميدانية، وساهموا في إعادة تشغيل المخابز".
وأشار إلى أن المجزرة التي وقعت في مدينة بيت لاهيا شمال القطاع في 15 مارس/آذار الماضي، وأسفرت عن استشهاد 9 ناشطين في المجال الخيري، تندرج ضمن نهج الاحتلال تجويع الشعب الفلسطيني، وترهيب العاملين بالمجال الإنساني، ومنع إيصال الإغاثة إلى المناطق المنكوبة، وفرض المزيد من العقاب الجماعي.
من جانبه، قال رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي، إن "الاحتلال يتعمد استهداف العاملين بالمجال الإغاثي والإنساني، والهدف فرض صعوبات على الوصول للاحتياجات الإنسانية، وجعل القطاع منطقة غير صالحة للحياة".
وأضاف عبد العاطي أن "هذه جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وانتهاك جسيم للضمانات الممنوحة للعاملين بالمجال الإغاثي، والحماية الخاصة التي رتبتها لهم اتفاقية جنيف الرابعة".
وفي ظل استمرار العدوان والحصار، يقف العمل الخيري في غزة اليوم على جبهة المواجهة الأولى، لا فقط لتوفير الطعام والخيام، بل لحماية روح التضامن والصمود التي تُبقي القطاع حيًّا، رغم كل أدوات التدمير والقهر التي تمارسها حكومة الاحتلال الإسرائيلي.