في مشهد يتكرر بدموية مؤلمة، ترتفع حصيلة شهداء المساعدات في قطاع غزة إلى 454 شهيدًا وأكثر من 3,466 جريحًا، نتيجة استهداف ممنهج لمراكز توزيع الإغاثة التي تحوّلت إلى مصائد موت، لا خطوط حمراء تحميها، ولا منظومة تحصّن أرواح المنتظرين على أبواب الكرامة. هذا الرقم المفزع لم يعد يُحتمل، وهو ناقوس خطر حقيقي، يفرض على الجميع التوقف، وإعادة النظر، بل قلب الطاولة على آلية التوزيع القائمة، التي أثبتت فشلها، وتحوّلت من أداة نجاة إلى مسرح للذبح الجماعي.
المجزرة لا تقف عند آلة الحرب وحدها، بل تمتد إلى عشوائية الداخل، إلى طمع النفوس، إلى الفوضى التي تستبدل النظام بالنهب، وتحرم الجائع من حقه في الرغيف. المساعدات التي وُجدت لتكون نسمة رجاء في صيف الجوع، تحوّلت إلى ساحة يتقاطع فيها الجوع الحقيقي مع السلاح العشوائي، ويُباع فيها الكيس تحت جنح الظلم، وتُداس فيها كرامة الإنسان في طوابير بلا أمان، وبلا نظام.
وبينما يتساقط الشهداء على الطرقات، وتتطاير الأشلاء في مشاهد تُدمي القلب، كان هناك من يحوّل الطحين إلى سلعة، والرز إلى مكسب، والدم إلى تجارة. في حين يموت البعض تحت الركام دون أن يصلهم إسعاف، هناك من يركض نحو الشاحنات، لا ليساعد، بل لينهب. إنها خيانة للدم، وخذلان للقضية، وعبث بحقوق من صبروا على الحصار والجوع والقصف.
إن ما يجري في طرقات غزة ليس تجاوزًا عابرًا، بل جريمة مكتملة الأركان، دينية وأخلاقية وإنسانية. الشرع ينهى عن تعريض النفس للهلاك، وعن استغلال حاجات الناس في أوقات المحن. لا يجوز لمن يملك القوة أن يبطش، ولا لمن يحمل سكينًا أن يسرق حق الأرملة واليتيم، ولا لمجموعات منظمة أن تحكم الشارع بسيف الفوضى على حساب المحرومين.
من هنا، ينبثق نداءنا: إلى أهل غزة، إلى من يعرفون معنى الثبات، إلى من يعضّون على الجراح ولا يصرخون. كونوا حراسًا لكرامتكم، لا عونًا للفساد. افتحوا الطريق لقوافل الخير لتصل إلى بيوت المكلومين بأمان. لا تسمحوا بأن يتحول الجوع إلى وقود للفتنة، ولا تتركوا شرف المساعدة يُباع على قارعة الطريق. يا شباب غزة، لا تهدروا أنفسكم، لا تدخلوا في معارك عبثية تزيدنا ألمًا فوق الألم. دعوا فرصة للنظام، دعوا فرصة للعدالة أن تعمل، دعوا للخبز أن يصل دون أن يُسفك معه الدم.
إن الصبر والحكمة لا يعنيان الاستسلام، بل يعنيان الصمود المنظم، والوعي الناضج، والمقاومة النظيفة. حمايتكم للنظام ليست خضوعًا، بل دفاع عن أرواحكم وحقوقكم. وحين نحمي النظام، نحمي ما تبقى من غزة، ونُبقي للمحتاج حقه دون إذلال.
وندعو مع ذلك إلى ملاحقة كل من سرق ونهب وأفسد، دون تهاون. من حوّل قوافل الإغاثة إلى فرص للربح الحرام، لا مكان له بيننا. هؤلاء ليسوا فقط لصوصًا، بل خونة. عدونا في الخارج لا يُعذر، وعدو الداخل لا يُرحم. لن يُكتب لنا نصر إن سكتنا عن الجريمة بحجة العوز، ولن تقوم لنا قائمة إن أكل القوي طعام الضعيف.
وندعو كذلك جهات المسؤولية أن تقوم بواجبها، بشرف وحزم وعدالة. المسؤولية أمانة، ومن يتولاها يجب أن يكون على قدرها. ليكن القانون سيد الجميع، لا حماية للفوضى ولا صمت عن الاعتداءات. عودوا بالثقة إلى الناس، أعيدوا للناس إيمانهم بقدرتهم على الحياة معًا بكرامة. ليعلم كل معتدٍ أن في غزة قانونًا، وفي غزة مجتمعًا حيًا، وفي غزة شعبًا لا يقبل الذل لا من الخارج ولا من الداخل.
وفي ختام هذا الرجاء، نرفع أكفّنا إلى السماء، وقلوبنا إلى الله، أن يحفظ غزة، ويصون أبناءها، ويمنّ عليها بفرج قريب. اللهم لا تجعلنا ممن يُضيع الحقوق أو يسكت عن الباطل. اللهم قوّنا على الخير، واحفظ شعبنا من أعداء الخارج وأعداء الداخل، إنك على كل شيء قدير.