قائمة الموقع

تقرير مدرسة يافا العريقة.. من منبر للعلم إلى شاهد على الإبادة

2025-07-01T16:59:00+03:00
مدرسة يافا العريقة.. من منبر للعلم إلى شاهد على الإبادة
شهاب

خاص _ حمزة عماد 

تحت سماء ملبدة برائحة البارود والغبار وأصوات الطائرات، تحولت مدرسة يافا شرق مدينة غزة إلى كتلة من الركام المحترق، تتصاعد منها ألسنة اللهب والدخان الأسود، فيما كانت أغراض النازحين تحترق على طاولات المدرسة المستخدمة قديمًا للعلم قبل أن تبعثرها الرياح. 

في لحظات خاطفة، اجتاحت الطائرات الانتحارية وصواريخ الطائرات وقذائف المدفعية الساحات المليئة بالخيام والأجساد الهاربة، فتحولت الأحلام الصغيرة إلى صرخات، وحملت الأمهات أبناءهن وسط الدخان والدماء بحثًا عن نبض حياة.

أعداد كبيرة من الإصابات غطت ممرات المدرسة المهدمة، فيما ارتفعت أعداد الشهداء مع كل دقيقة تمر، لتكتب غزة فصلًا جديدًا في دفتر الألم، والمدرسة التي كانت ملاذًا للعلم والأمان ومنبرًا عريقًا متعارف عليه في غزة، أصبحت اليوم شاهدًا على نار لم تترك سوى الرماد وصدى بكاء لا ينطفئ.

في حي التفاح بمدينة غزة، لم يكن يتوقع أحمد بصل أن يتحول ليل النزوح إلى كابوس لم يستيقظ منه حتى اليوم، بعد أن نزح هو وعائلته عدة مرات بحثًا عن مكان آمن، استقر بهم الحال داخل مدرسة يافا، ظنًا أن جدران المدرسة ستكون درعًا لهم من الصواريخ والنيران التي تطاردهم في كل مكان.

يقول أحمد خلال حديث خاص لوكالة "شهاب"، بصوت متقطع يختنق بين الكلمات: "نزحنا أكثر من مرة، كنا نبحث عن الأمان، عن مكان نقدر ننام فيه، أنا وأولادي وزوجتي، بس حتى المدرسة ما أمنت لنا الأمان".

ويواصل حديثه "في تلك الليلة، كنا نايمين تقريبًا الساعة الثانية صباحًا، وفجأة صار صوت انفجار رهيب هز المدرسة كلها كأنها أيام القيامة، الطائرات قصفت المدرسة، لم يكن انفجارًا واحدًا، بل عدة انفجارات، وألسنة النار بدأت تخرج من كل مكان، من الخيام من الشبابيك، من الأبواب، من السقف الذي انهار على رؤوس الأطفال النائمين".

يقول النازح أحمد بصل خلال حديثه "فقدت ثلاث أطفال في اللحظة نفسها، ميار وجود وميس، كانوا نايمين، مجرد أطفال، أكبر واحدة أربع سنين ونص، أصغر واحدة كانت سنة بس، ما لحقنا نعمل شيء، لما طلعناهم كانوا مفحمين، النار أكلتهم".

لم تكن عائلة أحمد وحدها التي أحرقتها النيران في تلك الليلة، كانت أم محمد الكفارنة، نازحة من بيت حانون، تحاول أن تجد في المدرسة ملاذًا لها ولأطفالها، تقول خلال وصف المشهد لوكالة "شهاب" للأنباء "احنا كنا نايمين، الساعة كانت تقريبا 2 الصبح، صحينا على صوت انفجار كبير، كل شيء وقع علينا، الطاولات، الأغراض، الحيطان كلها تشققت، أولادي صاروا يصرخوا، وأنا بحاول أطلعهم من الصف".

قبل خروجهم، حاولت أم محمد النظر من نوافذ الصف لترى ما الذي يحدث في الخارج وتقول: "لقيت الخيم اللي بره مولعة نار، ولما حاولنا نطلع من الصف، لقينا النار في كل مكان، في الممرات، في الدرج، في الساحة، ما عرفنا وين نهرب، كنا نلف وندور، بس كل الدنيا نار، صوت الصراخ، صوت القذائف، ريحة الحريق والدخان كانت تخنقنا".

استطاعت أم محمد وأطفالها أن ينجوا من النار بعد أن لفوا حول المدرسة وركضوا في الظلام نحو الشارع، بينما النار تلتهم الصفوف والخيام التي كانت تضم عشرات العائلات النازحة وتوضح قائلة: "الوضع كان كارثي، ضاربين كل اشي، سبع صفوف محترقة، الأطفال ما لهم ذنب، الناس ما لهم ذنب، كانوا بس نايمين".

في تلك الليلة، لم يعد أي مكان آمنًا، ولم يكن هناك فرق بين خيمة ومدرسة وبيت، تحول المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذًا للأطفال والعائلات إلى مقبرة من النار والدخان، وبقيت أصداء الصراخ مختلطة بصوت القصف ورائحة الدخان حتى الصباح.

لم يكن في تلك الليلة أبطال خارقون، كان هناك فقط آباء وأمهات يركضون بأطفالهم وسط النيران، يحاولون أن يختطفوا أنفاسًا لأطفالهم الذين اختنقوا بالدخان أو التهمتهم النيران وهم نائمون، بينما السماء تمطر نارًا، والأرض تغص بأشلاء الدمى المحترقة والألعاب التي لم تكتمل لياليها مع أصحابها.

من جانبه قال المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، إن الاحتلال "الإسرائيلي" صعّد من وتيرة قصفه بشكل هستيري على مدينة غزة وشمالها، حيث سُجلت أكثر من خمسين غارة خلال ساعات الليل فقط.

وأوضح بصل أن الليالي الماضية كانت من أشد الليالي قصفًا منذ بداية الحرب، حيث شنت طائرات الاحتلال عشرات الغارات المكثفة على المناطق الشمالية والشرقية من المدينة، معظمها مناطق مخلاة، ما أدى إلى دمار واسع في المنازل والبنية التحتية.

وأضاف أن الاحتلال استهدف مراكز للإيواء، بينها مدارس وخيام تأوي النازحين، وأسفر ذلك عن سقوط عدد كبير من الشهداء والإصابات، مشيرًا إلى أن الاحتلال يواصل ارتكاب الجرائم بحق النازحين دون أي اكتراث بالقوانين والمواثيق الدولية.

واستهدف الاحتلال "الإسرائيلي" مدرسة يافا التي تؤوي نازحين في حي التفاح شرقي مدينة غزة، وسبب القصف دمارا كبيرا في أبنية المدرسة وخيام النازحين التي كانت منارة للعلم قبل الحرب.

وقصف الاحتلال ما يقارب 256 مركز نزوح منذ بدء الإبادة، ما أسفر عن ارتقاء عدد كبيرًا من الشهداء جلهم من النساء والأطفال وإصابات عدد كبيرًا من النازحين.

اخبار ذات صلة