تقرير – شهاب
بين الأزقة الضيقة والأحياء المنهكة والركام المتراكم والتجريف الواسع بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، تتجلى ملامح مدينة بيت حانون، الواقعة في أقصى شمال قطاع غزة، كرمز وأيقونة للصمود الفلسطيني الأسطوري والمقاومة المستمرة، وساحةً بارزة للعمليات النوعية التي تنفذها فصائل المقاومة في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل.
وعلى الرغم من القصف المتواصل والتدمير الممنهج للبنية التحتية، تواصل المدينة تقديم نماذج نوعية في المواجهة والمقاومة، تؤكد من جديد أن غزة ليست فقط ساحة حرب، بل مدرسة في الفداء والتحدي، وحضورها في ميدان المقاومة لم يتراجع، بل ازداد قوة.
ومنذ الأيام الأولى للحرب المتواصلة على قطاع غزة، كانت بيت حانون هدفًا رئيسيًا للهجمات الجوية والمدفعية، نظراً لموقعها المحاذي للخط الفاصل شمالاً، وكونها منطلقًا معروفًا للعمليات النوعية للمقاومة.
كما حاول الاحتلال مرارًا إخضاع المدينة، عبر اجتياحات جزئية وعمليات قصف ممنهجة استهدفت المنازل والمدارس والمستشفيات، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل، حيث اصطدم بإرادة مقاومة لا تلين، وبشبكة أنفاق قتالية معقدة حوّلت المدينة إلى "أرض النار"، وفق تعبير محللين عسكريين إسرائيليين.
ويؤكد خبراء عسكريون أن العملية النوعية في بيت حانون تعكس تفوقًا تكتيكيًا للمقاومة، وتضع الاحتلال أمام تحدٍ صعب يتمثل في فقدان السيطرة على المناطق التي زعم "تطهيرها" مسبقًا، كما تكشف عن فشل استخباراتي في تحديد أسلوب وخطط وكمائن المقاومة، رغم كل الدعم الجوي والتكنولوجي الذي يحصل عليه جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتضيف العملية الأخيرة إلى سجل العمليات المؤلمة للاحتلال في الحرب الحالية، وتؤكد أن المقاومة، رغم الحصار والدمار، لا تزال قادرة على الضرب بفعالية وذكاء.
بيت حانون، المدينة التي دُمرت لكنها لم تُهزم، تواصل كتابة فصول نادرة من التضحية والمقاومة، ورغم فظاعة الحرب وقساوة الحصار، فإن صوت البنادق وهدير العبوات لا يزال يعلو فوق أنقاضها، ليقول للعالم إن غزة لن تركع، وإن بيت حانون ستظل دائمًا شوكة في حلق الاحتلال.
"بيت حانون تبتلع أعداءها"
وتعتمد فصائل المقاومة في بيت حانون على العمل الخفي والمرونة التكتيكية، إذ باتت المدينة مسرحًا لعمليات التفخيخ والاشتباك المباشر، مستفيدة من شبكة أنفاق هجومية معقدة تربطها بالمناطق الخلفية والمزارع المحيطة.
وقد فشلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، رغم امتلاكها لأحدث الوسائل التكنولوجية، في تعطيل هذه البنية المقاومة، حيث تستمر الفصائل في شن غارات مباغتة، وتنفيذ عمليات قنص وزرع عبوات ناسفة، تؤدي إلى استنزاف واضح في صفوف جيش الاحتلال.
وفي تفاصيل العملية الأخيرة، اعترف جيش الاحتلال بمقتل خمسة جنود وإصابة 14 آخرين في كمين مركّب نفذته المقاومة الفلسطينية مساء أمس، في واحدة من أعنف الضربات التي تلقتها قوات الاحتلال خلال توغلها في شمال القطاع.
ووفق ما ورد في الإعلام العبري، جرى استهداف قوة مشاة من كتيبة "نيتساح يهودا" التابعة للواء "كفير"، بعبوتين ناسفتين تم تفجيرهما عن بُعد خلال مرورها في أحد الطرقات ببلدة بيت حانون.
وبينما كانت قوات الاحتلال تحاول إخلاء المصابين، وقعت في كمين ثانٍ، حيث أُطلقت النار بكثافة من قبل مقاومين فلسطينيين ما أسفر عن وقوع إصابات إضافية، وتحولت مهمة الإخلاء إلى عملية معقدة وطويلة استدعت تدخل وحدات إنقاذ إضافية.
القناة 14 العبرية وصفت كمين بيت حانون بأنه من أخطر الحوادث في تاريخ كتيبة "نيتساح يهودا"، حيث كشفت تفاصيل العملية بأن قناصًا من المقاومة تمكن من إصابة جندي في الطابق الثالث من مبنى، وحين حاول رفاقه إنقاذه، أطلق مقاومون كمنوا في المكان قذيفتين إضافيتين، ما أدى إلى مقتل بيرتس وإصابة باقي أفراد القوة.
وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، فإن عمليات إخلاء الجرحى استمرت لساعات طويلة منذ الفجر وحتى الظهيرة، وسط تعقيدات ميدانية فرضتها طبيعة الهجوم ودقة التخطيط الذي نفذته المقاومة الفلسطينية في بيت حانون، والتي باتت تشكل كابوسًا لوحدات النخبة في جيش الاحتلال.
وتعقيبًا على ذلك، أكد أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أن العملية المركبة التي نفذها مقاتلو القسام في بيت حانون شمال قطاع غزة، تمثل "ضربة إضافية لهيبة جيش الاحتلال ووحداته الأكثر إجراماً"، مشيراً إلى أن المقاومة نجحت في استهداف قوة إسرائيلية في ميدان اعتقد الاحتلال أنه أصبح آمناً بعد تدمير كل ما فيه.
وقال أبو عبيدة، إن العملية تأتي في إطار معركة استنزاف متواصلة تخوضها المقاومة من شمال القطاع إلى جنوبه، مشددًا على أن العدو "سيتكبد خسائر إضافية كل يوم".
وأضاف: "ولئن نجح مؤخراً في تخليص جنوده من الجحيم بأعجوبة؛ فلربما يفشل في ذلك لاحقاً، ليصبح في قبضتنا أسرى إضافيون".
وأوضح أن صمود الشعب الفلسطيني وبسالة مقاوميه الشجعان هما وحدهما من "يصنعان المعادلات ويرسمان معالم المرحلة القادمة"، محذرًا من أن القرار الأكثر غباءً الذي قد يتخذه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو الإبقاء على القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة.
"الكمين الذي هزّ الجيش"
وكشفت عملية بيت حانون، عن حجم الارتباك الأمني والعسكري في صفوف جيش الاحتلال، وأعادت فتح النقاشات داخل الكيان الإسرائيلي حول جدوى استمرار الحرب، وسط انتقادات متصاعدة لقيادة الحكومة.
الإعلام العبري، لا سيما إذاعة جيش الاحتلال ومواقع إخبارية عسكرية مثل "معاريف" و"إذاعة جيش الاحتلال" أكدت على أن العبوات الناسفة أصبحت تمثل التهديد الأخطر لقوات الاحتلال في القطاع.
المراسل العسكري دورون كدوش أكد أن أكثر من 70% من القتلى الإسرائيليين خلال الشهور الماضية سقطوا بسبب العبوات الناسفة، مشيرًا إلى أن 27 جنديًا من أصل 38 قتلوا منذ استئناف القتال في مارس، لقوا حتفهم في تفجيرات مشابهة.
كما سلط الإعلام الضوء على تطور أسلوب المقاومة، إذ لم تعد الهجمات تقتصر على التفجير، بل أصبحت تشمل الاشتباك مع فرق الإخلاء والإسعاف، ما يؤدي إلى مضاعفة الخسائر.
وطرح الإعلام العبري تساؤلات جدية حول كيفية وصول خلية فلسطينية إلى منطقة تُعرف بأنها خاضعة لـ"السيطرة الكاملة" للجيش، وزرع أربع عبوات ناسفة بينها عبوة بتفجير عن بُعد دون أن يتم رصدهم أو إحباط الهجوم، ما فُهم على أنه إشارة إلى خلل استخباري وتشغيلي كبير.
وقال المراسل العسكري هيلل بيتون روزين إن قوات الاحتلال تقاتل في بيت حانون منذ سنة وثمانية أشهر، وغالبًا ما تكون هذه العمليات مصحوبة بعدد كبير من الإصابات.
المحلل العسكري في موقع واللا العبري، أمير بوحبوط، تساءل بدوره عن جاهزية القوات، مشيرًا إلى أن قيادة الجيش زعمت أن المنطقة التي تقدّمت إليها وحدة "نيتساح يهودا" وتم استهدافها بالكمين، كانت قد خضعت فعلاً لمعالجة عبر ضربات جوية بهدف إزالة العبوات الناسفة. وطرح بوحبوط تساؤلًا صريحًا: "متى أُقيم يوم تعليمي شامل لجميع الوحدات؟".
كما أكد مراسل إذاعة جيش الاحتلال على أن هذا النوع من الكمائن بات سلوكًا متكررًا في الأسابيع الأخيرة، حيث يضع مقاتلو المقاومة الفلسطينية العبوات في مسارات وحدات جيش الاحتلال ثم يهاجمونهم بالرصاص بعد التفجير، ما يتسبب في مضاعفة الخسائر.
وأضاف المراسل أن ما ميّز عمليات المقاومة الأخيرة في قطاع غزة هو بقاء المهاجمين في مواقعهم بعد تنفيذ التفجير، والاشتباك مع قوات الإنقاذ بدل الانسحاب، في محاولة لتعظيم ما وصفه بـ"الإنجاز" من وجهة نظرهم، مؤكدًا أن التصوير بات جزءًا أساسيًا من هذه العمليات، ويتم أحيانًا من عدة زوايا وبجودة عالية بهدف النشر لأغراض إعلامية.
وأشار إلى أن الكمين الذي وقع في بيت حانون تم في منطقة خضعت سابقًا لغارات جوية مكثفة، في إطار عمليات "تمهيد" لتقدّم القوات البرية، إلا أن العبوتين الناسفتين انفجرتا بدقة أثناء عبور القوة، ما أثار تساؤلات كبيرة داخل أوساط جيش الاحتلال حول فعالية تلك الغارات.
كما أكد المراسل أن بلدة بيت حانون تُعد نقطة اشتباك مستمرة، وتقع على مسافة تقل عن ثلاثة كيلومترات من مستوطنة "سديروت". وعلى الرغم من اقتحام جيش الاحتلال للبلدة مرارًا خلال العدوان، إلا أن المقاومة تعاود الظهور في كل مرة بعد انسحاب الجيش.
وأضاف أن جيش الاحتلال لاحظ تعزيزًا مستمرًا من قبل حركة حماس في البلدة، يُرجّح أنه يتم عبر شبكة من الأنفاق الأرضية، ما يجعل من بيت حانون ساحة نشطة وممتدة للقتال.
بيت حانون تفجر الخلافات الإسرائيلية
أما سياسيًا، فقد فجّر الكمين جدلًا واسعًا في الساحة الإسرائيلية، وانقسمت الآراء بين مطالبات بإنهاء الحرب ومواقف متشددة تطالب بالتصعيد ووقف التفاوض.
وفي أول تعليق له، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إن "صباح اليوم كان صعبًا على إسرائيل"، في تعبير عن حجم الخسائر التي لحقت بجيش الاحتلال في كمين بيت حانون.
ودعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى وقف التفاوض مع حركة حماس وإعادة الوفد الإسرائيلي من الدوحة فورًا، معتبرًا أن "التفاوض مع من يقتل جنودنا لا يجب أن يستمر".
فيما حمّل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الحكومة المسؤولية، وطالب بوقف إدخال أي مساعدات لغزة، متهمًا حماس بالقتال ضد الجيش باستخدام الموارد التي تصلها عبر المعابر.
في المقابل، عبّرت شخصيات سياسية من معسكر المعارضة عن غضبها ورفضها لاستمرار الحرب. زهافا غالؤون، الرئيسة السابقة لحزب ميرتس، دعت بشكل صريح إلى الانسحاب من غزة ووقف سفك الدماء، قائلة: "كفى. حرروا الأسرى، واخرجوا من القطاع". كذلك طالبت ميراف ميخائيلي، زعيمة حزب العمل السابقة، بإبرام صفقة تبادل أسرى فورية تنهي الحرب.
أما زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، فقد وصف الحكومة الحالية بأنها "خطر على أمن إسرائيل"، متهمًا إياها بتمويل حماس عبر قوافل المساعدات، ثم إرسال الجنود لملاقاة الموت في ميادين فقدت معناها.
وردود الفعل هذه لم تقتصر على المعارضين فقط، بل امتدت إلى أعضاء في الكنيست مثل ميراف بن آري التي انتقدت استمرار القتال في نفس المناطق التي سبق للجيش أن أعلن السيطرة عليها مرات عدة، مشيرة إلى أن الوزراء يزرعون الهلع بدلًا من دعم الجيش أو السعي لإنهاء الحرب.