قائمة الموقع

القدس تُغتال ثقافيًا.. هكذا يستخدم الاحتلال المهرجانات والموسيقى لتهويد المدينة وتزييف هويتها

2025-07-17T14:15:00+03:00
باب العمود أحد أبواب القدس خلال مهرجان الأنوار التهويدي - أرشيفية -
وكالة شهاب

 تقرير – شهاب

في مشهد يتكرر كل عام، تتحوّل البلدة القديمة من مدينة القدس المحتلة إلى مسرح ضخم للعروض الفنية والمهرجانات الموسيقة والسينمائية والإضاءات الضوئية، التي تخفي تحت وهجها رواية احتلال تُفرض بقوة على هوية وعروبة وإسلامية المدينة المقدسة.

ففي الوقت الذي تُمنع فيه الفعاليات الثقافية الفلسطينية بشكل كامل، وتُغلق مؤسساتها، تعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تنظيم عشرات المهرجانات التي تسوّقها كأنشطة فنية وسياحية، لكنها تحمل في جوهرها أهدافًا سياسية واستيطانية خطيرة.

وكشف الباحث في شؤون القدس والمسجد الأقصى، علي إبراهيم، عن تصاعد خطير في وتيرة استخدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمهرجانات الثقافية والفنية كأداة ناعمة لتهويد مدينة القدس المحتلة، وتزييف تاريخها ومعالمها الأثرية، في ظل التضييق المتواصل على الفعاليات الفلسطينية ومنعها بالكامل في المدينة.

وأوضح إبراهيم أن الاحتلال يسعى عبر هذه المهرجانات إلى تغيير المشهد الثقافي للقدس المحتلة، وطمس هويتها الإسلامية والعربية، من خلال إقامة فعاليات فنية وغنائية وحفلات خمر في مواقع مقدسة وتاريخية، بعضها لا يبعد سوى أمتار عن المسجد الأقصى المبارك، وأبرزها "بركة السلطان"، ومحيط حائط البراق، وحي وادي الربابة في بلدة سلوان، ومقبرة مأمن الله.

 

بغطاء ثقافي وهدف تهويدي

وقال الباحث في شؤون القدس والمسجد الأقصى، إن الاحتلال الإسرائيلي يوظف المهرجانات كأدوات "ناعمة" ضمن مشروع تهويدي متكامل، يستهدف تغيير المشهد الثقافي والتاريخي للقدس المحتلة، وتشويه رموزها الإسلامية والعربية.

وأضاف إبراهيم، أن هذه المهرجانات ليست مجرد فعاليات ترفيهية، بل وسائل منظمة لإعادة تشكيل الوعي المكاني والتاريخي حول المدينة، وترسيخ الرواية الصهيونية بشأن "القدس الموحدة" كعاصمة للاحتلال، في ظل تغييب ممنهج للرواية الفلسطينية.

ومن بين أبرز هذه الفعاليات التي تستهدف الشطر الشرقي من المدينة المحتلة:

أولاً: مهرجان القدس العالمي للسينما الذي يُنظم في موقع "بركة السلطان" الأثري، ويُعرض فيه الفيلم الفائز بجائزة "فولجين" الإسرائيلية في مساحة مفتوحة قريبة من الأحياء المقدسية.

ثانيًا: مهرجان الأنوار الذي يحوّل البلدة القديمة إلى صالة عروض ضوئية وصاخبة، تشمل مواقع مثل باب العامود، ومغارة سليمان، وساحة القصور الأموية.

ثالثاً: مهرجان أوتوفود الذي يُقام في حي وادي الربابة بسلوان، ويجمع بين الطعام والموسيقى والخمور في موقع لا يبعد كثيرًا عن المسجد الأقصى.

رابعًا: مهرجانات خمور في مقبرة مأمن الله، ما يشكل انتهاكًا فادحًا لقدسية المقابر الإسلامية.

 

أماكن مستهدفة ومضامين مشوهة

وتستهدف هذه المهرجانات مواقع ذات رمزية دينية وتاريخية عالية، مثل بركة السلطان، وسور القدس، ومقبرة مأمن الله، وبلدة سلوان، في محاولة لإعادة تعريف وظيفة هذه الأماكن من أماكن عبادة وتاريخ إلى فضاءات استهلاكية وترفيهية تحمل طابعًا غربيًا استيطانيًا.

وحذر الباحث علي إبراهيم من أن الاحتلال لا يختار هذه المواقع عبثًا، بل يسعى عبرها لتكريس "وجود يهودي مصطنع" في فضاءات عربية وإسلامية أصيلة، من خلال استغلال الحضور الجماهيري الكبير والزينة والإضاءات لطمس الرمزية الثقافية والدينية لهذه المعالم.

وأكد إبراهيم على أن هذه المهرجانات تحظى بدعم مباشر من جهات حكومية إسرائيلية، مثل بلدية الاحتلال، وسلطة تطوير القدس، ومكتب التراث، وسلطة الآثار، إلى جانب رعاية مالية من وزارات ومؤسسات مصرفية وشركات سياحية.

فعلى سبيل المثال، كشفت تقارير عن تمويل مهرجان "إسرائيل" الثقافي بنحو 6 ملايين شيكل، منها نصف مليون من بلدية الاحتلال، فيما خُصصت ميزانية تفوق 100 مليون شيكل (نحو 30 مليون دولار) لمشروع تطوير "بركة السلطان" وتحويلها إلى مركز للحفلات الموسيقية، بطاقة استيعابية تصل إلى 7 آلاف شخص، ومرافق تشمل مقاهي وحدائق وأضواء ليلية.

وفي الجهة المقابلة، تواصل سلطات الاحتلال منع أي نشاط ثقافي فلسطيني في القدس، وتغلق المؤسسات الفكرية والمدنية، وتقمع الفعاليات الشعبية، ما يُضعف الوجود الثقافي الفلسطيني ويزيد من هيمنة الرواية الإسرائيلية.

وقال إبراهيم إن "الاحتلال لا يكتفي بترويج مهرجاناته، بل يعمل على خنق الحياة الثقافية الفلسطينية بالكامل، في محاولة لخلق مشهد ثقافي أحادي الوجه يخدم أهدافه الاستيطانية"، لافتًا إلى أن هذه السياسة تسعى لإبراز القدس كمدينة يهودية بالكامل على المستويين الرسمي والسياحي، بما يمهد لفرضها كعاصمة دائمة لدولة الاحتلال.

 

أبعاد خطيرة  

يرى الباحث أن لهذه الممارسات أبعادًا استراتيجية طويلة المدى، أبرزها طمس الهوية الفلسطينية، وإبراز الرواية الإسرائيلية، من خلال توظيف الفعاليات الثقافية والفنية لإعادة بناء المشهد الثقافي للقدس المحتلة، وما يتصل بهذه المحاولات من تقديم المدينة المحتلة على أنها عاصمة دولة الاحتلال على الصعد الثقافية والفنية، بالتوازي مع محاولات ترسيخها عاصمة سياسية وإدارية لدولة الاحتلال.

وفي مقابل هذا العدد الكبير من الفعاليات، تعمل أذرع الاحتلال على منع تنظيم الفعاليات الفلسطينية، وتقمع أي نشاط ثقافي فلسطيني في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، بل تُغلق سلطات الاحتلال المؤسسات المدنية ذات الأهداف الفكرية والثقافية، في محاولة لإنهاء أي محاولة فلسطينية لاستنهاض الحالة الثقافية في شطر القدس الشرقي.

وأضاف أن من الأبعاد الخطيرة لهذه المهرجانات تتمثل في تزييف معالم القدس التاريخية والأثرية، وتشويه رمزية هذه المواقع، وتغيير وظيفتها التاريخية، ومنع الفلسطينيين من الاقتراب منها أو زيارتها.

وأشار إلى أن المهرجانات تعمل تعزيز البنية التحتية الخاصة بالفعاليات الاستيطانية، تحت ذرائع المهرجانات أو إقامة الفعاليات الكبرى وغيرها، وهو استهداف حضاري طويل الأمدّ، يجعل من هذه البنية غطاءً يُخفي كنوز القدس الحقيقية.

ولفت إلى أنها تعزز الحضور الاستيطاني في الشطر الشرقي من القدس، من خلال جذب المستوطنين إلى هذا الجزء، وتركز جزء كبير من هذه الفعاليات في هذا الشطر.

ونوه إلى أنها تعيد تصدير السردية الإسرائيلية، في كل فعالية تهويدية تقوم بها أذرع الاحتلال، والترويج للرموز والدلالات والأفكار اليهودية والصهيونية، على حساب السردية الأصيلة، وما يرتبط بها بطبيعة الحال من حالة عامة تتصل بالزينة والأمن وخنق حياة الفلسطينيين لتنظيم مثل هذه الفعاليات الضخمة.

وشدد إبراهيم بالتأكيد على ضرورة تحرك المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية المعنية بالتراث والثقافة، لرصد هذه الأنشطة التهويدية والتصدي لها، ودعم المبادرات الفلسطينية الثقافية في القدس المحتلة، مؤكدًا على أن "المعركة على هوية المدينة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالوعي، والرواية، والصورة، والكلمة".

 

تزييف التاريخ

ومن جانبه، أكد المختص في شؤون القدس، فخري أبو دياب، أن الاحتلال الإسرائيلي قطع شوطًا كبيرًا في فرض وقائع تهويدية ممنهجة في مدينة القدس، مستغلًا العدوان الجاري على قطاع غزة والضفة الغربية لتسريع مخططاته.

وأوضح أبو دياب في حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن حكومة الاحتلال تشرف بشكل مباشر على تصعيد واسع في جميع مناحي الحياة بالقدس، بدءًا من هدم المنازل وتشريد السكان ومصادرة الممتلكات، وصولًا إلى محاولات فرض هوية مصطنعة تُمحو الهوية العربية والإسلامية الحقيقية للمدينة، وعلى رأسها المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.

وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تسعى لتزييف التاريخ وفرض رواية تتناغم مع روايتها الاستعمارية، رغم فشلها في العثور على أي دليل تاريخي يدعم وجودها عبر الحفريات المتواصلة في القدس.

وبيّن أن هذا المشروع التهويدي لا يقتصر على تغيير الطابع الحضاري للمدينة، بل يشمل أيضًا حربًا اقتصادية ممنهجة تهدف إلى إنهاك المواطنين المقدسيين، ودفعهم نحو الرحيل، سواء إلى الضفة الغربية أو إلى خارج فلسطين التاريخية بالكامل، عبر تضييق الخناق المعيشي والاجتماعي والديني.

وقال أبو دياب إن الاحتلال يستغل انشغال العالم بما يحدث في غزة والضفة لتكريس واقع يجعل من القدس مدينة طاردة لأهلها، عبر تعزيز الاستيطان وتهجير السكان الأصليين، وصولًا إلى تنفيذ ترحيل قسري تدريجي تحت غطاء إداري واقتصادي وأمني.

وأكد على أن الصمود والثبات في وجه هذه السياسات هو الخيار الوحيد المتاح، مشددًا على أن المقدسيين، رغم الألم والمعاناة، يواصلون تمسكهم بحقهم وهويتهم، وأن إرادتهم ستبقى صخرة تتحطم عليها مخططات الاحتلال.

يذكر أن الآلاف من الإسرائيليين والسياح الأجانب يتوجهون لحضور فعاليات المهرجانات سنويا، حيث تجذب العروض الموسيقية الراقصة الجمهور الأوسع، فيما يدفع المقدسي ثمن هذه الأنشطة التي تنغص حياته اليومية بإعاقة حركته وتكثيف التواجد العسكري في أماكن العروض المختلفة.

اخبار ذات صلة