تقرير – شهاب
دخل سكان قطاع غزة المرحلة الخامسة من الجوع، بحسب تصنيف وكالة "الأونروا"، وهي المرحلة الأخطر التي تنذر بانهيار كامل في بنية الحياة، وتهدد بمأساة إنسانية غير مسبوقة، في ظل الحصار الخانق واستمرار الحرب.
وبعيدًا عن التعريفات الأممية للمجاعة، يصف الغزيون الجوع بأنه "وجع لا يغيب"، فحتى بعد تناول الوجبة الوحيدة في اليوم، والتي غالبًا ما تكون عبارة عن بضع ملاعق من الشوربة من إحدى التكيات التي تقلصت بعد نفاذ الطعام في القطاع، ويبقى الإحساس بالجوع مستمرًا، يلازمهم من لحظة الاستيقاظ حتى النوم.
ويشهد القطاع حالات هزال ونقصان سريع في الوزن، حتى إن كثيرين لم يعودوا قادرين على المشي لمسافات قصيرة دون شعور بالإعياء، وتشتيت بالتركيز، والأعصاب مشدودة، والأجساد ترتجف، بينما يبذل الرجال والنساء جهدًا بدنيًا شاقًا لتأمين الماء والطعام أو البقاء في أعمالهم المحدودة.
والأطفال بدورهم، يواجهون الجوع ببطون فارغة، وأصواتهم لا تهدأ ليلًا من الألم، أما الرُضّع، فهم يعيشون كما يقال "من روح الله"، بعد انقطاع الحليب الطبيعي بسبب جوع الأمهات، وفقدان الحليب الصناعي من الأسواق.
وخلال 24 ساعة فقط، سجلت عدة حالات وفاة بين الرُضع والأطفال نتيجة الجوع ونقص التغذية، في مؤشر خطير على ما قد تتعرض له مئات العائلات خلال الأيام المقبلة إن استمر الحصار ومنع دخول المساعدات.
مؤشر المجاعة يبلغ ذروته
أمام هذه الكارثة، يُطلق أهالي غزة صرخة إنسانية عاجلة، فالوضع لم يعد يحتمل، والكارثة تفوق قدرة أي صمود، فيما يقف العالم صامتًا أمام مجاعة تضرب أكثر من مليونَي إنسان، نصفهم من الأطفال.
ومن جانبها، أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن معظم سكان قطاع غزة دخلوا المرحلة الخامسة وهي الأشد بمؤشر المجاعة.
وقالت مديرة مكتب الإعلام والتواصل بالوكالة في غزة إيناس حمدان أن الأونروا ليس لديها مواد غذائية منذ أسابيع لتوزيعها، لكنها مستمرة بتقديم الخدمات الحيوية وأنها تستطيع إدارة خمس مراكز صحية و25 نقطة طبية متنقلة في ظل التقارير تتحدث عن ازدياد في حالات سوء التغذية، مؤكدةً على أن واحد من بين عشر أطفال في قطاع غزة يعاني من سوء التغذية.
وقالت وكالة "الأونروا"، عبر حسابها على منصة "إكس"، إن "إسرائيل" تتعمد تجويع المدنيين في قطاع غزة، بمن فيهم مليون طفل يعاني الكثير منهم سوء التغذية ويواجهون خطر الموت.
وأوضحت الوكالة أن لديها ما يكفي من الغذاء لجميع سكان غزة لأكثر من 3 أشهر، وهو مخزّن في مستودعات على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي، مطالبةَ برفع الحصار عن قطاع غزة والسماح لها بإدخال الغذاء والأدوية.
وقالت الوكالة الدولية "ارفعوا الحصار، اسمحوا للأونروا بإدخال الغذاء والأدوية"، مناشدةً سلطات الاحتلال الإسرائيلي قائلة "ارفعوا الحصار، اسمحوا للأونروا بالقيام بعملها ومساعدة المحتاجين، ومن بينهم مليون طفل".
يأتي ذلك وسط ارتفاع عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية في غزة إلى 71 طفلا بحسب المكتب الإعلامي في قطاع غزة.
وبدورها، قالت وزارة الصحة في غزة إن أعدادا غير مسبوقة من المواطنين المجوعين من كافة الأعمار تصل إلى أقسام الطوارئ في حالات إجهاد وإعياء شديدين.
وحذرت الوزارة من أن مئات من الذين نحلت أجسادهم سيكونون عرضة للموت المحتم نتيجة الجوع وعدم قدرة أجسادهم على الصمود.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي ارتفاع عدد الوفيات بسبب نقص الغذاء والدواء إلى 620، في ظل اشتداد المجاعة ومنع توزيع المساعدات بطرق إنسانية.
انهيار إنساني شامل
ومن جانبه، حذّر نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، من أن قطاع غزة يشهد حالة "مجاعة غير مسبوقة" تضرب كافة أرجائه، وسط انهيار إنساني شامل، وانعدام الغذاء، وانتشار فقر الدم وسوء التغذية بين السكان، نتيجة للحصار والهجمات الإسرائيلية المستمرة.
وقال زقوت في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، إن "معظم سكان قطاع غزة يعانون اليوم من التجويع، في سياق كارثي يكتمل بمزيج من القصف والتدمير، والقتل الجماعي شبه اليومي، والتعطيش، واستهداف مرافق المياه والصرف الصحي، ومنع دخول الإمدادات الإنسانية"، مضيفًا أن "هذه المشاهد تشكّل بمجموعها ملامح جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان".
وأكد أن هذا الوضع يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، مشددًا على أن "الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة ملزمة قانونًا ليس فقط بعدم ارتكاب هذه الجرائم، بل بمنعها، وملاحقة ومساءلة كل من يشتبه في تورطه بارتكاب جرائم حرب، كما هو الحال في استخدام التجويع ومنع المساعدات كأداة حرب".
وانتقد زقوت أداء المؤسسات الدولية، واصفًا إياها بأنها "أسيرة البيروقراطية"، قائلاً: "نسمع أعذارًا واهية بشأن الخشية من تسريب المساعدات، لكن الأجدى إدخالها وضخها في السوق، لأن توفرها سيخفض الأسعار ويجعلها في متناول السكان ويمنحهم الحد الأدنى للبقاء".
وأشار إلى أن المشكلة الأساس تكمن في الاحتلال الإسرائيلي الذي يتحكم في مرور الإمدادات، وفي الدول التي "تتحلل من أبسط التزاماتها القانونية والإنسانية"، موجهًا انتقادًا حادًا للدول العربية والإسلامية قائلاً: "أكثر من ملياري مسلم وعربي، يشاهدون يوميًا كيف يموت الناس جوعًا، دون أن يجرؤ أحد على اتخاذ موقف سياسي أو اقتصادي ضاغط على الاحتلال أو على الإدارة الأمريكية التي توفر له غطاءً كاملاً لما يرتكب من جرائم في قطاع غزة".
مجاعة خطيرة ودامية
كما حذر مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا، من تفاقم المجاعة في قطاع غزة ووصولها إلى مرحلة "خطيرة ودامية"، مؤكدًا أن أعداد الأطفال الذين يفقدون حياتهم جراء سوء التغذية في تزايد مستمر، وسط غياب تام للغذاء والدواء.
وقال الشوا، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء إن "أمس فقط سجلنا استشهاد طفلين نتيجة الجوع، وخلال الأيام الثلاثة الماضية وصل العدد إلى أربعة، ونحن أمام منحنى تصاعدي خطير"، مشيرًا إلى أن كبار السن أيضًا بدأوا يفقدون حياتهم بسبب انعدام الغذاء والمستلزمات الطبية.
ووصف الشوا الوضع الإنساني في غزة بـ"المنهار تمامًا"، مشيرًا إلى نفاد تام للمواد الأساسية مثل الطحين والأرز، سواء من مخازن المؤسسات الإغاثية أو الأسواق.
وأضاف: "بلغ سعر كيلو الدقيق أكثر من 70 دولارًا، والعائلات تبحث في الشوارع عن أي مصدر للطعام، فيما القصف مستمر والمستشفيات عاجزة".
وأشار إلى أن أعدادًا كبيرة من المرضى يتوافدون إلى المستشفيات نتيجة الإعياء وسوء التغذية، فيما يواجه الأطفال الرضع والنساء الحوامل أوضاعًا كارثية، نتيجة عدم توفر الحليب أو التغذية المناسبة.
وقال: "نحن نواجه كارثة إنسانية شاملة تهدد حياة مئات الآلاف، لا سيما من يعانون أمراضًا مزمنة مثل الثلاسيميا أو حساسية القمح".
واتهم الشوا الاحتلال "الإسرائيلي" بـ"هندسة الجوع" منذ بدء العدوان، عبر منع دخول المساعدات، واستخدامها كسلاح لفرض التهجير القسري، من خلال إجبار الفلسطينيين على التوجه نحو ما يسمى "مراكز التوزيع" التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، والتي تحولت إلى مصائد يومية تُقتل فيها أعداد من المدنيين أثناء بحثهم عن الطعام.
وأكد أن "عشرات الآلاف من المواطنين يذهبون يوميًا رغم معرفتهم بالمخاطر، والكثير منهم يعود إما شهيدًا أو مصابًا، ومن يحصل على المساعدة لا يعود إلا بكمية ضئيلة"، مضيفًا: "هذه الآلية تُستخدم لخدمة أهداف الاحتلال في تفريغ الأرض وفرض النزوح".
كما حذر بالقول: "سجلنا أربع وفيات من الأطفال خلال يومين، وإذا لم تُفتح المعابر فورًا وتُدخل المساعدات، فسنكون أمام مجزرة صامتة. نحن لا نتحدث عن المجاعة ككلمة في بيان.. نحن نعيشها ونُحصي ضحاياها كل يوم".
وكانت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أعلنت عن تفاقم مأساة المجاعة وسوء التغذية في القطاع، مؤكدة أن الأزمة دخلت مرحلة "المجزرة الصامتة".
ووفق المعطيات الرسمية، سجلت الوزارة 86 حالة وفاة نتيجة الجوع، من بينها 76 طفلًا و10 بالغين، في حصيلة غير مسبوقة تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
كما تم الإعلان عن وفاة 18 شخصًا خلال 24 ساعة فقط، ما يشير إلى تسارع معدلات الوفاة بسبب غياب الغذاء والرعاية الصحية.
وأوضحت الوزارة أن النظام الصحي بات عاجزًا عن الاستجابة للانهيار الحاصل، وحمّلت الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي المسؤولية المباشرة عن هذه الوفيات، نتيجة إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الغذائية والطبية الأساسية.
ودعت وزارة الصحة إلى فتح المعابر بشكل فوري، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، لإنقاذ ما تبقى من أرواح في غزة، في وقت يتحول فيه الجوع إلى سلاح فتاك يُحصد به المدنيون.