قائمة الموقع

غزة تباد.. والعرب يرقصون في "جرش"

2025-07-29T22:28:00+03:00
وكالة شهاب

في الوقت الذي تُباد فيه غزة على مرأى العالم، وتُحاصر حتى الرمق الأخير، وتُقطع عنها سبل الحياة من غذاء ودواء وماء، تنشغل العواصم العربية بإحياء حفلات الرقص، ومهرجانات الطرب، وكرنفالات الطهي، كأنّ الدم الفلسطيني لا يعنيهم، وكأنّ المجاعة ليست على بعد أمتار من خطاباتهم المخدّرة.

من "طباخ" انحرف برسالته إلى دعاية مفرغة مستفزة، إلى "سياسي" حوّل المأساة إلى "ترند" مستهلك، إلى تصريحات ملكية أردنية تروّج لإدخال شاحنات طحين وكأنها نصرٌ استراتيجي، إلى مسخرة "الإنزال الجوي"، بينما الملايين يتضوّرون جوعًا في الظلام… الكلّ يغني خارج السرب، خارج المأساة، خارج حدود الإنسانية.

الاحتلال ينظر ويتابع ويصفّق لهذا التشتت، يروّج لانقسامنا، ويحتفي بأصوات عربية تخرج لتبرر، تضلل، وتجمّل صورة القاتل. أما الأنظمة، فبعضها يتاجر بالإنسان الفلسطيني، والبعض الآخر يمدّ المحتل بالقنابل من جهة، وببيانات النفاق من جهة أخرى.

لا يمكن أن نفصل بين ما يحدث في غزة، وبين ما يُفتعل من ضجيج في المحيط العربي. المهرجانات ليست مجرد فعاليات ترفيه، بل أدوات منظمة لحرف البوصلة، وتغييب الحقيقة، وإخماد صوت الضحايا. إنها محاولات بائسة لدفن الجريمة تحت أنقاض الأغاني، وتطبيع المجازر في الوعي الجماهيري.

ما جدوى مهرجان "جرش" ومواسم الطهي، حين تكون أرواح الأطفال في غزة تُنتزع جوعًا وقصفًا كل يوم؟ أيّ "ثقافة" هذه التي تنمو فوق أنقاض المخيمات؟ وأيُّ "نهضة فنية" تُبنى على أشلاء الجياع؟

لكن وسط هذا الصمت الرسمي والضجيج الموجّه، انبثق صوت الجوع من غزة ليشعل انتفاضة عالمية. من بلجيكا إلى بروكسل، أغلق محتجون السفارات المصرية رفضًا للتجويع، فيما احتشدت الجموع أمام السفارة المصرية في لبنان مطالبة بفتح معبر رفح وإنهاء الحصار فورًا. ومشاهد لنشطاء في النمسا وبريطانيا وباريس، وطرد تجار الأسلحة من الجامعات الأمريكية، هذه المظاهرات لم تكن رد فعل غاضبًا فحسب، بل صرخة ضمير عالمي تفضح تواطؤ الصمت العربي والدولي.

وفي لحظة نادرة من اليقظة، نشر شيخ الأزهر في مصر منشورًا يدعو فيه لإغاثة أهل غزة، لكنه سُرعان ما حُذف، وكأن النداء للرحمة أصبح تهمة، وكأن التضامن مع شعب يُباد جوعًا وقصفًا لم يعد يليق بمقام المؤسسة الدينية الرسمية.

ورغم هذا الحراك الشعبي والدولي المتزايد، تتسابق بعض الأطراف لكتم الأصوات وتشتيت الانتباه، في رسالة مباشرة إلى الاحتلال: لا تقلقوا، لا ملاحقات، ولا ضغوط، امضوا في الإبادة حتى آخر فلسطيني.

من العار أن تتحول منابر الإعلام العربي إلى أدوات تزييف، تصدح بالأكاذيب، وتبرر الخذلان، وتصرف الأنظار عن أخطر مأساة إنسانية في القرن. ومن العار أن يتحول بعض الطهاة والمؤثرين إلى سفراء لتبييض الجريمة، وهم يعلمون أن كل رغيف في أيديهم يقابله مئات الأطفال بلا طعام ولا دواء في غزة المحاصرة.

غزة لا تطلب حفلات ولا مهرجانات ولا تهاني ولا بيانات تنديد. غزة تريد فك الحصار، وقف المجازر، محاسبة القتلة، وفضح المتواطئين، لا تلميعهم. غزة تريد منكم الصمت قليلًا عن الزيف، والإنصات لصوت الجوع، لصرخة الطفل، لأنين المريض، لبكاء الأم.

إن الشعوب بدأت تتحرك، لأن الحقيقة باتت أوضح من أن تُغطى بغبار المهرجانات. والصوت الخارج من تحت الركام أقوى من كل أنظمة التلميع. سيسقط الزيف، وسينكشف كل من حاول طمس الحقيقة، لأن التاريخ لا يرحم، ولأن الشعوب لا تنسى من وقف مع القاتل، ومن رقص على أنقاض الضحية.

ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب — بل الغصّة — أن تنتفض أوروبا، بشعوبها وبرلماناتها وساستها، رفضًا لما يحدث في غزة. نسمع أصواتًا غربية تستنكر، تُدين، وتطالب بوقف المجازر، وتلوّح بقطع المعونات، وتدعو لوقف التعاون مع الاحتلال، بل وتُطالب بقيام دولة فلسطينية مستقلة. في المقابل، ساستنا العرب، لم نعد نسمع لهم ركزًا؛ صمتوا، بل خرسوا، وكأن آذانهم لا تسمع، وألسنتهم لا تعرف النطق حين يكون الدم فلسطينيًا.

أين ضمائرهم؟ متى تتحرك؟ أم أن التطبيع مع الاحتلال قد أنهكهم، وأشغلهم اللهاث خلف اتفاقيات "إبراهيم" التي يأملون أن تُريحهم من عبء الشعوب وقضاياهم، ومن "أمانات" لا يستحقها من صادرها من صدور الجماهير المكلومة؟ إنهم يتدثرون بعباءات السياسة والدين، لتمرير اتفاقات خبيثة تُجبرهم على التعاون مع الاحتلال، حتى ولو كان الثمن فلسطين وأهلها... أرضًا وشعبًا وكرامة.

اخبار ذات صلة