شهد عام 2006 بداية الحصار الخانق على قطاع غزة، حين فرض الاحتلال الصهيوني، مدعومًا بتحالف قوى إقليمية ودولية، عزلة خانقة على القطاع، عقابًا على نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، في ظل تداعيات عملية "الوهم المتبدد" وأسر الجندي جلعاد شاليط. ومع نهاية عام 2008، شنت قوات الاحتلال عدوانًا واسعًا، أسفر عن مئات الشهداء ودمار هائل، حيث نفذت ضربة جوية مركّزة بمئات الطائرات خلال دقيقة واحدة.
واجهت غزة هذا العدوان وصمدت في وجه الحصار بكل عزيمة. حفرت أنفاقها بأظافرها لتأمين قوت يومها، وفي لحظة احتجاج شعبي على إغلاق معبر رفح والحدود مع مصر، انهار الجدار، واندفع الآلاف من أبناء غزة إلى رفح والعريش لشراء حاجاتهم والعودة. لقد شكّل هذا الصمود الأسطوري، في مواجهة ظلم فادح، تراكمًا في الوعي العربي، أصبح وقودًا لانفجار شعبي عبّر عن الكرامة، وتجسد في ثورات شعبية اجتاحت ميادين تونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها.
هتفت الجماهير: "الشعب يريد تحرير فلسطين"، لتؤكد أن القضية الفلسطينية لم تغب عن وجدان الأمة يومًا، بل أُجِّلت قسرًا بفعل الاستبداد والخذلان الرسمي. أعادت تلك الانتفاضات صياغة الأولويات السياسية، مؤكدة أن الحلم العربي الأصيل لم يمت، وأن فلسطين لا تزال في صلب هذا الحلم النابض.
شكل هذا الحراك زلزالًا في الوعي الجمعي العربي؛ إذ عادت فلسطين إلى صدارة القلب العربي، وغدت غزة قبلة للوفود القادمة من مختلف العواصم العربية، حتى سُمِّي عام 2012 بـ"عام الوفود"، وغدت غزة رمزًا لنهضة مرتقبة ومفتاحًا لكرامة مهدورة. وأصبح الخيار السياسي قائمًا على ثلاثية: المقاومة، والوحدة الوطنية، وإرادة شعب لا ينكسر.
وفي ظل الجراح النازفة والمأساة المستمرة في محرقة غزة، وبين ركام البيوت وأشلاء الأطفال وأنّات الجوعى، يرتفع صوت طالما كُبت: "كفى!". إن صمت الأنظمة، وتواطؤ بعضها، وتحالف البعض الآخر مع القاتل، عوامل تغذي الغضب الشعبي وتسرّع نضوج لحظة الانفجار المقبلة. لم تعد غزة عنوانًا للمعاناة فحسب، بل أصبحت مرآة تكشف زيف الخطاب الرسمي، وتعري النفاق السياسي، وتحرك ضمير الشعوب.
كل مجزرة ومجاعة ترتكبها قوات الاحتلال تفضح التناقض الصارخ بين خطاب "الخذلان الرسمي" وواقع الإبادة على الأرض. يرى المواطن العربي الجزار يُستقبل بالأحضان في بعض العواصم العربية، بينما يُذبح أطفال فلسطين على الهواء مباشرة.
كل صرخة طفل غزّي، وكل مشهد دموي، يعمّق جراح الأمة، ويزيد من غليان الشارع، ويقرّب ساعة الانفجار الكبير. هذه ليست مجرد مأساة إنسانية، بل شرارة محتملة لـ"ربيع عربي ثانٍ"، لكن بنكهة جديدة تعكس الكرامة المهدورة والسيادة المنتهكة. تتسع الفجوة بين الشارع والأنظمة، وتُبعث من الذاكرة الجماعية شعارات: "الحرية"، و"الكرامة"، و"الشعب يريد"، لتعيد إنتاج جذور الثورة.
لقد كان "الربيع العربي" الأول محتقنًا بملحمة غزة، وكانت القضية حاضرة في وجدان المتظاهرين. لكن سرعان ما جرى وأده بفعل التدخلات الدولية والثورات المضادة. أما اليوم، فإن غزة تعيد ترتيب الأولويات وتطرح أسئلة السيادة والموقف الأخلاقي من فلسطين بإلحاح أكبر.
بات المواطن العربي يرى بوضوح الفجوة الشاسعة بين دمعة طفل في رفح وابتسامة مسؤول قرب سفارة الاحتلال في عواصم التطبيع. هذا التناقض الفاضح يبشّر بانفجار شعبي مقبل، قد لا يكون نسخة من عام 2011، لكنه يحمل في طيّاته بذور التغيير الجذري العميق.
قد لا يشبه "الربيع العربي الثاني" سابقه من حيث الشكل أو الوسائل، لكنه سيكون أعمق وأشدّ أثرًا، إذ لم يعد الأمر يتعلق بالقمع الداخلي فقط، بل بالتواطؤ الخارجي الذي يُمارس باسم المصالح والسيادة. غزة، التي ظنّها البعض قد انهارت، ما زالت تقاوم، نيابة عن أمة بأكملها تبحث عن الخلاص. والمجازر والتجويع لم تترك مجالًا للخداع أو الحياد. إما أن تكون مع الضحية، أو في صف الجلاد. إما أن تصمت وتخون، أو تصرخ وتبدأ معركتها من جديد.
ما يجري في غزة ليس جريمة حرب فحسب، بل اختبار مفصلي لضمير الأمة. وإذا فشلت الأنظمة في اجتياز هذا الامتحان، فإن الشعوب ستُعيد رسم المشهد السياسي من جديد، وتعيد صياغة معادلاته.
وربما كُتبت أولى كلمات "الربيع الجديد" بالفعل، بدماء الغزّيّين، وبصراخ الأحرار، وبمواقف الشعوب الحرة في الشوارع والساحات الرقمية وأمام السفارات.
فهل تكون غزة مهد الصحوة الجديدة؟ وهل تكون هذه المحرقة – بكل قسوتها – بوابة لحياة عربية جديدة؟
الأيام كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الوعي قد تغيّر، والغضب قد نضج، والشعوب – حين تنهض – لا تعود أدراجها.
إن الشعوب العربية والإسلامية، بل والحرّة في كل العالم، التي تحتضن بركان الغضب على ما حلّ بفلسطين وغزة – قلب الأمة، ومسرى نبيها، وبوابة السماء – توشك أن تنفجر، كما انفجرت بعد ملحمة الفرقان في غزة عام 2009.
نار الجرائم والخذلان تُوقِد في كل ضمير حر شعلة لا تنطفئ، وستصحو البشرية قريبًا على ربيع عربي جديد، تنبع فيه صيحات "الشعب يريد تحرير فلسطين" من رحم طوفان غزة ومحارقها، لتهز أركان الظلم، وتُطلق التحول الأكبر في تاريخ المنطقة والعالم.
وآنذاك، تتحرر فلسطين كلّها:
"وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ"
"وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ؟ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" – [الإسراء: 51]