تقرير خاص/ شهاب
رغم الاتهامات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحركة "حماس" بعدم الجدية في التفاوض حول صفقة تبادل أسرى ووقف إطلاق النار، تشير الوقائع والمصادر الرسمية إلى أن السلطات الإسرائيلية هي الطرف الأكثر مسؤولية عن تعطيل الاتفاقات.
فبينما أبدت "حماس" مرونة واضحة تجاه بنود المرحلة الأولى، تصر تل أبيب على شروط تعجيزية، بينها البقاء في محور موراج وإنشاء مؤسسة غزة الإنسانية، ما يعني أن تعرقل تنفيذ بنود المرحلة الأولى يُحمّل الاحتلال المسؤولية، وليس الحركة.
أكد طاهر النونو (المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي) في تصريحات متكررة أن “الحركة مستعدة لإطلاق سراح كافة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة مقابل صفقة تبادلية جادة تشمل وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، وتدفق المساعدات”.
عرقلة إسرائيلية
شدد على أن الاحتلال هو من يعطل الاتفاقات، معتبراً أن "المشكلة ليست بعدد الأسرى، بل بعدم التزام الجانب الإسرائيلي بوقف النار".
أكد مراراً أنهم “لم يتلقوا أي مقترحات جديدة رسمية من إسرائيل”، وأن التقارير الإسرائيلية عن تقدم مزعوم هي أخبار مضللة.
أوضح أن “سلاح المقاومة خط أحمر” ولن يكون موضوع مفاوضات، وأن بقاء المقاومة مرتبط ببقاء الاحتلال.
أكد باسم نعيم (عضو المكتب السياسي) أن حركة "حماس" لن تقع في “فخ” تحويل المفاوضات إلى مجرد تبادل أسرى ثم استمرار العدوان، مشدداً على أن التفاوض لا يتوقف على إطلاق الأسرى فقط بل على وقف العدوان وعودة الحياة المدنية.
أوضح في جولة القاهرة الأخيرة أن هناك توافقاً أولياً حول عدة بنود (المساعدات الإنسانية، فتح المعابر، الجدول الزمني للتفاوض خلال وقف مؤقت يمدّ 60 يومًا)، بينما ما تبقى قيد النقاش هو خرائط الانسحاب وإعادة انتشار قوات الاحتلال.
تحريف الوساطة
أكد أن تصريحات بعض الوسطاء (مثل ويتكوف) لا تعكس الحقيقة، بل تخدم الرواية الإسرائيلية وتدعم موقف نتنياهو السياسي داخلياً.
رغم موافقة حماس على بنود المرحلة الأولى التي تقضي بانسحاب الاحتلال من المساحات الضيقة، تصر إسرائيل على البقاء في محور موراج والبقاء العسكري المكثف في رفح، وهو ما يخالف مضمون المرحلة الأولى المتفق عليها في إطار الاتفاق.
تصر إسرائيل على إنشاء "مؤسسة غزة الإنسانية" كبديل حكومي تحكمه جهات غير فلسطينية يُعد محاولة لفرض إدارة مدنية تنتقص من السيادة الفلسطينية، في مسعى لتفريغ القطاع من أي سلطة مستقلة.
في المقابل، تعطل إسرائيل تنفيذ بنود الانسحاب وضمان توقيت إدخال المساعدات واستمرارية التفاوض حول المرحلة الثانية، بالرغم من توضّح موقف حماس ومرونتها تجاه ما طرحه الوسطاء.
في تحليل نشرته صحيفة هآرتس، وصف المحلل العسكري عاموس هرئيل تصريحات بنيامين نتنياهو بأنها "موجهة داخليًا أكثر من كونها مفاوضية"، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى من خلال خطاباته إلى تهدئة الغضب في ائتلافه اليميني المتطرف، والتخلص من انتقادات شركائه السياسيين من بن غفير وسموتريتش. كل ذلك رغم الفشل الميداني المتكرر للجيش الإسرائيلي على الأرض في غزة.
مآرب سياسية
من جهته، يرى المحلل السياسي الدولي أسامة المغير أن تشبث نتنياهو بالبقاء في محاور مثل "موراج" أو "فيلادلفيا" لم يأتي من متطلبات أمنية، بل من اعتبارات سياسية داخلية؛ فهو يعتبر هذه المحاور أوراق ضغط استراتيجية عرقل بها تقدم الصفقة، مدركًا أن حماس لن تقدم تنازلات كبيرة حولها، ما يسمح له بإطالة أمد الحرب واستدامة سلطته.
أما المحللون الفلسطينيون، فقد أشاروا إلى أن مرونة حماس في المفاوضات الأخيرة لم تكن خيارًا بل فرضًا نتيجة الضغط الإنساني والسياسي الداخلي. القيادي خليل الحية أكّد عبر حديثه للإعلام أن الحركة قدّمت “أقصى درجات المرونة” بشأن ملفات الانسحاب، الأسرى، والمساعدات، لكنها وجدت بالمقابل “انقلابًا إسرائيليًا” ومماطلة مكشوفة تعرقل التقدم، قائلًا: "لا معنى لاستمرار التفاوض تحت التجويع والإبادة".
بدوره، في تصريح على وسائل التواصل، شدّد باسم نعيم عضو المكتب السياسي لحماس على أن إدخال المساعدات يجب أن يكون مستمرًا وكافٍ وأن لا يتحول إلى وسيلة لابتزاز الفلسطينيين، محذرًا: "إذا لم تكن المرحلة الثانية من الاتفاق واضحة ومجدولة، فإن التجديد لن يكون سوى عبث يُدفع ثمنه شعبنا".
في ضوء المعطيات السياسية والميدانية، والتصريحات المتطابقة من قيادات "حماس" ومحللين محليين ودوليين، يتبيّن أن رواية نتنياهو حول "رفض حماس للصفقة" لا تستند إلى وقائع فعلية، بل تهدف إلى تحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية أمام الرأي العام.
فشل التنفيذ
وإذ أبدت "حماس" استعدادها الكامل للقبول ببنود المرحلة الأولى كما وردت في المقترح المصري – القطري – الأميركي، فإن الطرف الذي يُخِلّ بالتنفيذ ويضيف شروطًا جديدة على الاتفاق، هو الحكومة الإسرائيلية. وعليه، فإن المسؤولية السياسية والقانونية عن فشل التوصل إلى صفقة لا تقع على "حماس"، بل على إسرائيل، التي تصرّ على إبقاء احتلالها، وتمديد الحرب، واستثمارها لأهداف داخلية على حساب الدم الفلسطيني.