خاص / شهاب
بينما يتواصل القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، مخلفًا آلاف الضحايا من المدنيين، تتسع يومًا بعد يوم دائرة العزلة الدولية التي باتت تخنق إسرائيل في الخارج. لم تعد باريس آمنة للسياح الإسرائيليين، كما لم تعد أنطاليا التركية ترحب بهم، ولا حتى جزر اليونان تحتفظ بحيادها.
باتت النظرة الأولى والأخيرة لـ"إسرائيل" أنها كيان البطش والتجويع والإبادة، بعدما كانت لعقود تحظى بصورة "الضحية" في الإعلام الغربي والدوائر الدبلوماسية.
هذه التحوّلات الجذرية في موقع إسرائيل من العالم جاءت نتيجة انعكاسات مباشرة لجرائم الحرب والإبادة التي ترتكبها حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، والتي دفعت إسرائيل إلى موقع "شريرة العالم"، وفقًا لتوصيفات عدة صحف ومؤسسات حقوقية.
تحوّل الصورة
لسنوات طويلة، نجحت إسرائيل في الترويج لنفسها كدولة "ضحية" وسط محيط معادٍ، واستثمرت في ذاكرة "الهولوكوست" لكسب تعاطف العالم، خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية. لكن مع استمرار عدوانها على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وانكشاف حجم المجازر والانتهاكات، بدأت هذه الصورة تنهار تدريجيًا.
في تقارير متعددة لمنظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، وُصفت إسرائيل بأنها دولة تُمارس الفصل العنصري (الأبارتهايد) وتنفذ سياسة "العقاب الجماعي" ضد المدنيين في غزة، مما دفع المحكمة الجنائية الدولية نفسها إلى توجيه مذكرة توقيف لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، متهمةً إياهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وسائل إعلام دولية بارزة، مثل نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وبي بي سي، خصصت مساحات واسعة لنقل معاناة الفلسطينيين، مستخدمةً عناوين لم تكن مألوفة من قبل، مثل: "غزة تحت الحصار والتجويع"، و"أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث"
رغم المواقف الرسمية المتذبذبة، أظهرت فرنسا تحولًا مهمًا في النبرة بعد المجازر في رفح. ففي فبراير 2024، وصف الرئيس إيمانويل ماكرون ما يحدث في غزة بأنه "غير مقبول"، داعيًا إسرائيل إلى وقف الحرب فورًا.
في الشارع، تصاعدت المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وسط هتافات تطالب بطرد السفير الإسرائيلي ووقف الدعم العسكري.
أفادت وسائل إعلام فرنسية باعتداءات لفظية تعرض لها سياح إسرائيليون في باريس، ورفع شعار "الصهيونية ليست موضع ترحيب هنا" في مؤسسات جامعية وثقافية.
تطرد السياح
وفي صباح اليوم، تعرضت مكاتب الخطوط الجوية الإسرائيلية في باريس لهجوم وكتابة شعارات بأنها "شركة الإبادة الجماعية"، وبناءً عليه، قررت شركة "إلعال" الإسرائيلية إخلاء مكتبها في باريس، مصرحة بأنها تتعامل بجدية مع الحادث الذي استهدف مكاتبها.
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أواخر 2023 تعليق كافة العلاقات مع إسرائيل، واصفًا نتنياهو بـ"المجرم الذي ينبغي محاكمته دوليًا". كما أوقفت الخطوط الجوية التركية جميع الرحلات من وإلى تل أبيب، وأصدرت وزارة الخارجية التركية تحذيرًا رسميًا للسياح الإسرائيليين بعدم زيارة تركيا، بسبب "اعتبارات أمنية".
في عدة مدن تركية، طردت فنادق ومطاعم سياحًا إسرائيليين علنًا، بل وأعلنت بعضها أنها "أماكن حرة من الصهاينة".
مقاطعة أكاديمية
رغم الشراكة العسكرية السابقة، تصاعد الغضب الشعبي في اليونان ضد إسرائيل. وطالبت نقابات مهنية وجامعات بإعلان قطع علاقاتها الأكاديمية والتجارية مع مؤسسات إسرائيلية، كما وقعت اشتباكات أمام السفارة الإسرائيلية في أثينا.
أفادت تقارير محلية بإلغاء حجوزات فنادق بسبب الجنسية الإسرائيلية، فيما طلبت الشرطة من بعض الزوار الإسرائيليين مغادرة مواقع سياحية خشية تعرضهم لاعتداءات.
منذ بداية الحرب على غزة، سجلت شركات السفر في إسرائيل تراجعًا حادًا في حركة السفر للخارج. وفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية، فقد انخفضت الحجوزات الخارجية بنسبة 40%، وخصوصًا إلى أوروبا.
في المقابل، أصدرت الحكومة الإسرائيلية تحذيرات لمواطنيها من السفر إلى 32 دولة بسبب "مخاطر أمنية"، من بينها فرنسا وتركيا وبلجيكا وجنوب إفريقيا.
وقالت وزيرة الاستخبارات، غيلا غمليل: "هناك خطر حقيقي على الإسرائيليين خارج البلاد، بسبب تصاعد العداء بعد حملة الكراهية التي تقودها منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية تجاه الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة."
صرّح مسؤول في شركة سياحة إسرائيلية لصحيفة يديعوت أحرونوت قائلًا: "عملاؤنا لا يشعرون بالأمان، أصبحوا يسألوننا: إلى أين نسافر ولا نتعرض للشتائم؟"
سقوط الرواية الإسرائيلية
لطالما هيمنت إسرائيل على الرواية الإعلامية الغربية، لكنها اليوم تفقد هذه السيطرة، خاصةً على منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت ترصد توجهات الشارع العالمي تجاه القضايا ذات الزخم الإعلامي.
منصات مثل تيك توك، إنستغرام، ويوتيوب تُغرق العالم يوميًا بصور ومقاطع لضحايا الإبادة في غزة، والتي يشكل الأطفال والنساء والمدنيون أكثر من ثلثيهم.
المقاطع التي تحمل هاشتاجات مثل #أنقذوا_غزة حققت ملايين المشاهدات حول العالم، وشاركها مشاهير عالميون متحدّين لوبيات الضغط الإسرائيلي.
أما الإعلام التقليدي، فأصبح ينشر انتقادات غير مسبوقة للحرب، كما في نيويوركر، الغارديان، لوموند، وحتى صحف ألمانية مثل دي تسايت، والتي أشارت بوضوح إلى مسؤولية إسرائيل عن الكارثة الإنسانية في غزة.
انهيار داخلي
لم تقتصر موجة الغضب على الخارج، بل امتدت إلى الأوساط الأكاديمية والحقوقية الإسرائيلية ذاتها، حيث عبّر عدد متزايد من المثقفين وأساتذة الجامعات والمحامين عن رفضهم لسياسات حكومة نتنياهو وجرائمها في غزة.
في بيان وقّع عليه أكثر من 800 أستاذ جامعي إسرائيلي في يناير 2024، وُصفت الحرب بأنها "وصمة عار أخلاقية"، وطالب الموقعون بوقفها فورًا وفتح تحقيقات شفافة في الانتهاكات المرتكبة.
كما أعلنت منظمات حقوقية إسرائيلية مثل "بتسيلم" و"عدالة" أن ما تقوم به حكومة نتنياهو في غزة يمثل انهيارًا أخلاقيًا وقانونيًا للدولة، واعتبرت "بتسيلم" في تقرير لها أن "إسرائيل تمارس جرائم ضد الإنسانية بغطاء قانوني زائف".
في المقابل، واجه المعارضون من داخل إسرائيل حملات تخوين وتحريض، بل وصل الأمر إلى تهديد بعض الأكاديميين بالفصل من وظائفهم أو ملاحقتهم بتهم "تقويض الروح القتالية للدولة".
هذا الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي يكشف أن سياسات الحكومة لا تحظى بإجماع داخلي، بل تواجه معارضة متنامية حتى من بين من كانوا لسنوات جزءًا من "المنظومة المؤيدة للصهيونية".
يرى مختصون أن هذه الإبادة كشفت حقيقة إسرائيل، التي كانت تستعطف العالم على أنها "ضحية الماضي"، لكنها ظهرت في حقيقتها كجلاد ومجرم العصر.
تحوّلت صورتها بسرعة ساحقة إلى دولة يُنظر إليها على نطاق واسع كرمز للقمع والدمار، وهذه ليست أزمة عابرة، بل مسار انحداري بدأه نتنياهو ولم تظهر بعد بوادر توقفه.
ومع تصاعد القتل في غزة، تبدو إسرائيل وكأنها تفقد شيئًا أثمن من أي انتصار عسكري: تفقد صورتها التي أنفقت عقودًا في صناعتها.