في حال قرر "المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر" (الكابينت) المضي قدمًا باتجاه احتلال قطاع غزة بالكامل، فإن المشهد الذي ينتظر غزة لن يختلف كثيرًا عما آلت إليه المناطق المدمّرة في شمال القطاع وخانيونس ورفح. فآلة الحرب الإسرائيلية لا تُبقي ولا تذر، وحيثما حلّت خلّفت الدمار والخراب والتهجير الجماعي.
لا ينبغي أن يُفهم خطأً أن جيش الاحتلال عاجز عن تنفيذ هذا السيناريو عسكريًا. الإمكانات العسكرية الهائلة التي يملكها، من قوة نارية جوية وبرية، قادرة على اجتياح القطاع وفرض سيطرة مؤقتة على الأرض. ولكن السؤال الأهم: هل يستطيع الاحتلال أن يتحكم بالقطاع؟ أن يديره؟ أن يُخضع المقاومة؟
التجربة تقول: لا.
فجيش الاحتلال الذي يملك القوة لا يملك القدرة على التحكم والسيطرة طويلة المدى، وسيتلقى بلا شك ضربات مؤلمة متكررة من بيئة ترفضه، وشعب أثبت طوال 22 شهرا من الحرب أنه عصيّ على الانكسار.
ثمّة مسؤولية سياسية وإنسانية تنتظر الاحتلال في حال الإقدام على هذه الخطوة، فهو سيكون ملزمًا بإدارة شؤون أكثر من مليوني فلسطيني، في ظل بنية تحتية مدمرة، وأوضاع إنسانية كارثية، وضغوط دولية متصاعدة.
فلماذا قد يُقدم الاحتلال على هذه الخطوة إذن؟
الجواب يكمن في الهوس بحسم "حماس".
مصطلحات كثيرة استخدمها قادة الاحتلال: "حسم حماس"، ثم "حسمها عسكريًا وسلطويًا"، وأخيرًا استقر الخطاب على "الحسم العسكري".
لكن حتى داخل المؤسسة الإسرائيلية، يدرك كثيرون أن الحسم الكامل غير ممكن، وأن سيناريو احتلال غزة لن يحقق النتيجة المأمولة، بل سيدفع الاحتلال نحو مستنقع يشبه تجارب الولايات المتحدة في فيتنام، الصومال، أفغانستان، والعراق.
فهل هذا هو قدر الطغاة حين تُعمى بصيرتهم؟
أن يندفعوا بلا عقل نحو قرارات كارثية، تأخذهم إلى الهاوية بأقدامهم، دون اتعاظ من دروس الماضي القريب أو البعيد؟
الجميع يترقّب ما ستؤول إليه الأمور.