قائمة الموقع

الاحتلال ومستقبل غزة: بين وهم الاستيطان وواقع المنطقة العازلة

2025-08-10T14:12:00+03:00
زقوت.jpg

منذ بداية الحرب على غزة، يطرح الاحتلال سيناريوهات متعددة لمرحلة ما بعد الحرب المدمرة، تتراوح بين السيطرة الأمنية المؤقتة وفرض وقائع دائمة على الأرض. ورغم التصريحات الإعلامية التي توحي بإمكانية إعادة الاستيطان في القطاع، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تؤكد أن هذا الخيار يكاد يكون مستحيلاً لعدة أسباب جوهرية :

أولاً، العامل النفسي والأمني؛ فحتى مستوطني "غلاف غزة" الذين عاشوا على أطراف القطاع لسنوات، ما زالوا حتى اليوم يعيشون حالة خوف وذعر دائمين، رغم الإجراءات الأمنية المشددة. وإذا كان هؤلاء يترددون في العودة إلى منازلهم، فكيف يمكن إقناع المستوطنين بالقدوم إلى عمق غزة والاستقرار فيها؟

ثانياً، الكلفة الاقتصادية والبشرية لأي مشروع استيطاني في غزة ستكون باهظة للغاية، سواء على حكومة الاحتلال أو على المستوطنين أنفسهم. فإقامة بنية تحتية آمنة في منطقة عالية المخاطر، وتأمينها على مدار الساعة، أمر يفوق قدرات وإمكانيات الاحتلال على المدى الطويل.

ثالثاً، البعد العقائدي والأمني المرتبط بدفن الموتى. تاريخياً، لم تتضمن المستوطنات التي كانت قائمة في غزة قبل الانسحاب عام 2005 أي مقبرة، إذ كان قتلى المستوطنين يُدفنون في مقابر القدس أو الضفة ، التزاماً بعقيدة دينية وخشية من أي مخاطر أمنية. ويعد هذا مؤشراً على أن الاحتلال لا يرى غزة أرضاً صالحة للاستيطان الدائم.

إضافة إلى ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن نحو 40% من مقابر المستوطنين تقع في مستوطنات الضفة المحتلة، وهو ما يعكس الرؤية الاستراتيجية للاحتلال بأن الضفة تمثل عمقاً استيطانياً طويل الأمد، على عكس غزة التي لا يخططون للبقاء فيها على هذا النحو.

لكن في المقابل، لا يخفي الاحتلال سعيه إلى فرض "منطقة آمنة" أو "عازلة" على طول أطراف غزة، وهي منطقة قد تمتد على مساحة ليست قليلة من أراضي القطاع، بما يتيح له حرية الحركة العسكرية ويُبعد السكان عن الشريط الحدودي. هذا المخطط يتكامل مع هدف آخر لا يقل خطورة، وهو تهجير أكبر عدد ممكن من أهل غزة، بعد تدمير بنيتها التحتية ومقومات الحياة فيها.

إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى محاولة رسم خريطة جديدة للقطاع، تقطع أوصاله وتفرض واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً مختلفاً. ومع ذلك، يبقى رهان الاحتلال على إخضاع غزة رهناً بصمود أهلها وقدرتهم على إفشال هذه المخططات.

نسأل الله أن يحفظ أهل غزة، وأن يُبطل كيد المعتدين.

اخبار ذات صلة