للمرآة مكانة مهمة جدًا في حياة الإنسان. إنها تُظهر الحقيقة للإنسان. إنها تطلعه على نفسه، على ما هو عليه. فالذي يعرف ما هي صورته في المرآة لا يلتفت إلى المديح الذي يوجّه إليه ولا إلى الانتقادات التي يتعرّض لها. لأنه يدرك الحقيقة. إذا اجتمع الملايين من الناس معًا، ويقفون أمام جبل ويقولون ”إنه ليس جبلاً، إنه البحر“. من سيصدقهم؟ بالطبع، لن يصدقهم أحد له عقل. هكذا تقوم المرآة بمثل هذه المهمة لإظهار الحقيقة.
كما أن المرآة المعنية لها أيضًا مظهر من مظاهرها في سياق المجتمعات. فعلى سبيل المثال، حياة مجتمع ما ونظامه الإداري وعلاقاته الاجتماعية كالمرآة من حيث توصيفه. فإذا أنفق مجتمع ما مليارات الدولارات لتسويق نفسه، فإن كل من له عقل سيصدر حكماً عادلاً آخذاً بعين الاعتبار حياة المجتمع المعني ونظام إدارته وعلاقاته الاجتماعية. لأنه ببساطة يؤمن بالحقيقة وليس بالمال.
مرآة الأمة: غزة
صارت غزة بمثابة المرآة التي أظهرت لنا حقيقتنا. في الفترة من 7 أكتوبر إلى اليوم، اتضح مرة أخرى أننا كأمة في وضع بائس سواء من حيث العقيدة أو من حيث السلوك. إننا كعالم إسلامي أبعد ما نكون عن ”الوحدة والتكاتف“ وأقرب ما نكون إليه هو ”الفرقة والانفصال“. من الواضح كم نحب الدنيا، وكم نخاف من الموت، وكم نبحث عن العزّة في مواقع راحتنا، وكم نحن بعيدين عن أن نكون الفاعلين في التاريخ بل مجرد ممثلين في المشهد. ومن ذكّرنا بهذه الحقائق؟ غزة بالطبع...
لقد كانت غزة بمثابة مرآة كاشفة لحال الأمة البائس الذي تعيشه ودعت المؤمنين من أصحاب العقل والضمير أن يأخذوا رؤوسهم بأيديهم ويبحثوا عن مخرج من هذا الوضع ... والحل ليس في الهجوم على هذه المرآة وكسرها وتضييع الحقيقة، بل في الاستيقاظ والانطلاق. ولذلك، من الواضح أنه لا يمكن تحقيق أي شيء من خلال انتقاد العمليات التي أطلقتها المقاومة في 7 أكتوبر! إذا كنت ذليلا، فكيف تتمنى أن يكون غيرك ذليلا مثلك؟ هذا ليس من حقك! في واقع الأمر، يقال في المثل الشهير ”تمنت الزانية لو أن كل النساء زواني“. إذا عدنا إلى البداية، فقد حان الوقت لنعود إلى المرآة ونواجه حقيقتنا.
ألا نخجل من أنفسنا؟
إن مسؤوليتنا جميعا أن نأخذ العبرة من التاريخ وألا نكرر الأخطاء التي وقعنا فيها. فإذا سقطت غزة، فلنعلم أن مصير هذه الأمة لن يكون بخير. بعبارة أخرى، غزة هي خط الدفاع الأخير. بالفعل؛ كانت غزة آخر خط دفاع عثماني عن فلسطين أيضا! وفيها وقف الجنود الأتراك والعرب صفًا واحدًا أمام قوات الاحتلال البريطاني. في المعركتين الأولى والثانية (مارس وأبريل 1917) انتصر المدافعون انتصارًا باهرًا، لكن عند المعركة الثالثة (31 أكتوبر 1917) كانت خطوط الإمداد مقطوعة، الروح المعنوية منهارة، والدعم العربي والإسلامي شبه غائب، بل إن بعض القوى العربية الكبرى وقتها كانت قد دخلت في تفاهمات مع البريطانيين!
سقطت غزة بعد مقاومة باسلة، ولم يكن سقوطها هزيمة عسكرية فقط، بل كان كاشفًا لمدى الانقسام والتشتت الذي يعيشه العالم الإسلامي، ومهّد الطريق لسقوط القدس بعد أسابيع فقط، ثم لفقدان فلسطين كلها!
لا يجوز أن يكون البكاء والعويل قدرنا
دعونا لا ننسى أبداً أن هذه الأمة ظلت تضيع الوقت بالبكاء على مدى قرنين من الزمان. فقد حان وقت الوعي والتصلب. فالتاريخ يكتبه من يجتهد لا من يتباكى. فدعونا نستيقظ ونعود إلى رشدنا ونحمي غزة التي ترينا حقيقتنا. لنستمر في نصرة شعب غزة المظلوم بكتاباتنا وخطاباتنا ومقاطعتنا التي نواصلها وجهودنا في توعية من حولنا وجهودنا في إسماع صوتنا للسلطات، باختصار بكل ما أوتينا من قوة. دعونا لا ننسى أن الرابحين في نهاية المطاف لن يكونوا أولئك الذين يكسرون مراياهم، بل أولئك الذين يصلحون أنفسهم. وسيكون الرابحون في نهاية المطاف ليس أولئك الذين تزعجهم الحقيقة، بل أولئك الذين يقيّمونها بالطريقة الصحيحة. الجميع سيقدمون يومًا ما حسابًا أمام الله تعالى. لذلك، فليعد الجميع من الآن ما سيقوله!
هذا ليس رفاهية
على المسلمين أن يفهموا جيدا بأن دفاعهم عن غزة و مواصلتهم الدعم للمظلومين ليس رفاهية! بل من موجبات إيماننا و إنسانيتنا. كلما تقوى الشعور الإنساني كلما اشتعلت نار الوقوف إلى جانب من يباد ويقتل ويتعرض للتجويع في سبيل كسرهم و استسلامهم. نحن نتحدث عن صمود أمة بأكملها وامتحان لضمير العالم. وبالتالي كل صوت، كل كلمة، كل مساعدة مادية أو معنوية هي سهم في معركة العزة والكرامة. ولا ننسى؛ بأن الذين تخلوا عن العراق وأفغانستان الأمس تخلوا اليوم عن غزة... دعونا لا نكون مثلهم حتى لا نتخلى غدا عن كرامتنا و نبيعها رخيصا!