قائمة الموقع

تقرير الصحفي محمد قريقع.. ورث الكاميرا والجرح ورحل في المكان الذي فقد فيه أمه

2025-08-12T13:36:00+03:00
الشهيد الصحفي محمد قريقع
وكالة شهاب

في مساء العاشر من أغسطس/آب 2025، كانت خيمة الصحفيين قرب مستشفى الشفاء في غزة تعجّ بأصوات المراسلين، وضجيج الكاميرات، وصرير الأقلام على الدفاتر. وسط هذا المشهد، وقف مراسل الجزيرة محمد قريقع، يرتّب ملاحظاته ويتهيأ للظهور على الهواء. لم يكن المكان بالنسبة له مجرد موقع تغطية، بل جرحًا مفتوحًا لم يلتئم منذ عام ونصف.
 هنا تحديدًا، فقد أمه المسنّة نعمة برصاصة قناص إسرائيلي، أثناء حصار المستشفى واقتحامه في مارس/آذار 2024.

ذلك اليوم، كان محمد محتجزًا داخل المستشفى برفقة عشرات الصحفيين والنازحين، فيما أجبرت قوات الاحتلال والدته على الخروج وحدها باتجاه الجنوب. بخطوات بطيئة وحذر مسنّة، سارت نعمة، لكن رصاصة أنهت حياتها قبل أن تصل إلى برّ الأمان. 
أمضى محمد أسابيع من البحث المحموم عنها بين المستشفيات والمشارح، حتى وجد جثمانها قرب المستشفى، وتعرّف إليها من ملامح وجهها وثوبها.

بالنسبة لمحمد، لم يكن هذا الفقد مجرد مأساة عائلية، بل لحظة فارقة غيّرت مساره الصحفي. فمنذ ذلك الحين، تحوّل من مجرد مراسل صحفي إلى صوت إنساني صريح، يروي قصص الناس وكأنه يروي قصته الشخصية. صار أكثر إصرارًا على الظهور أمام الكاميرا، وأكثر انحيازًا لضحايا الحرب، مؤمنًا بأن كلماته وصوره ربما تكون آخر ما يبقيهم أحياء في ذاكرة العالم.
مولده ونشأته
وُلد محمد قريقع عام 1992 في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، في أسرة بسيطة فقدت عائلها مبكرًا. تربّى في كنف والدته التي كانت عماد حياته فهو وحيدها، وتخرج في كلية الإعلام بالجامعة الإسلامية عام 2014.
 بدأ مسيرته كمراسل حر لعدد من المؤسسات المحلية، وتميّز ببلاغته وقدرته على تحويل المشهد الميداني إلى قصة تصل إلى القلوب قبل العقول.
خليفة اسماعيل الغول
التحق محمد بالجزيرة في أغسطس/آب 2024، بعد استشهاد زميله إسماعيل الغول في قصف إسرائيلي استهدفه أثناء تغطيته الحرب. 
كان محمد يرى في الغول مثال الصحفي الميداني الشجاع، وحين رحل، شعر أن الراية سقطت أمامه مباشرة. ارتدى خوذته، ووقف أمام الكاميرا في أماكن كان الغول يقف فيها، وواصل التغطية بنفس الجرأة.

لكن حادثة استشهاد والدته جعلت هذه المهمة أكثر عمقًا وألمًا. كان يقول لزملائه: "كل أم في غزة هي أمي، وكل بيت يُقصف كأنه بيتي." هذا الإحساس جعل تقاريره مفعمة بالبعد الإنساني، تتجاوز نقل الأرقام والبيانات إلى تصوير المعاناة اليومية بلغة مؤثرة.

محمد كان صوت الناس في غزة، يلتقط من حواراتهم وأحاديثهم اليومية ما يلخص القصة. لم يكن يكتفي بالحديث عن القصف والنزوح، بل كان يسرد كيف يعيش الأطفال في الخيام، وكيف تحاول العائلات النجاة بفتات الخبز، وكيف يحوّل الحصار المدينة إلى سجن كبير.

في آخر ظهور له، قبل ساعات من استشهاده، تحدّث عن معاناة النازحين قائلًا: "النزوح مثل خروج الروح من الجسد.. كل واحد هنا مرّ بخمس عشرة رحلة نزوح على الأقل.. ولا أحد يبحث عن غزة." ثم ختم رسالته الميدانية بكلمات بدت كأنها وداع: "لن يحدث إلا ما كتبه الله عز وجل."

لم تمر ساعات حتى كانت قوات الاحتلال تقصف خيمة الصحفيين قرب الشفاء، مستهدفةً بشكل مباشر الصحفيين الذين ينقلون ما يجري. سقط محمد في ذات البقعة التي شهدت رحيل أمه، وكأن القدر أراد أن يربط بين المشهدين إلى الأبد.

برحيله، فقدت غزة واحدًا من أبرز وجوهها الإعلامية في الحرب الأخيرة، وفقدت الجزيرة زميلًا كرّس عمله لكشف الحقيقة مهما كان الثمن. لكن إرثه سيبقى، ليس فقط في الأرشيفات الإخبارية، بل في ذاكرة كل من سمع صوته أو شاهد تقاريره.

محمد قريقع لم يكن مجرد مراسل حرب، بل كان شاهدًا حيًا على أن الصحافة في غزة ليست مهنة فحسب، بل موقفًا إنسانيًا وشهادةً أمام التاريخ. وفي المكان الذي بدأ فيه حزنه الأكبر، أسدل الستار على قصته، تاركًا خلفه حقيقة لم يستطع القصف محوها.

اخبار ذات صلة