كان معروفاً للجميع أن الصهيونية كانت تقوم بنشاطات سياسية واقتصادية واجتماعية منذ ثلاثة قرون تقريباً لإقامة ”دولة إسرائيل الكبرى“ في المنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات. وما كان هرتزل الذي عرض أن يدفع الديون العثمانية مقابل أن يمنحه السلطان عبد الحميد أرضًا في فلسطين يفعل شيأ سوى أن يضع حجارة هذا الطريق.
إن الإطاحة بالسلطان عبد الحميد من قبل الاتحاديين، وتقسيم الدولة العثمانية، والتحريض البريطاني ضد الدولة العثمانية من خلال وعد العرب بدولة عظمى كانت كلها جزء من نفس المخطط. الزعماء وقادة الرأي الذين فقدوا بصيرتهم آنذاك ضحوا بمصير الأجيال القادمة من أجل بعض المصالح دون أن يكونوا قادرين على قراءة ما يحدث قراءة صحيحة، كما يفعلون اليوم. دون شك اليوم يقع وبال عشرات الآلاف من الأبرياء الذين استشهدوا في غزة على عاتق أولئك الذين ارتكبوا هذه الخيانات في ذاك الوقت.
رفع نتينياهو سقف التحدي
اعترف نتنياهو أخيرًا بأنه خادم مشروع ”إسرائيل الكبرى“. أي أنه كشف مرة أخرى أن المسألة لم تكن تتعلق بغزة وفلسطين. أما الدول التي تعلن أن أمنها القومي خط أحمر، فقد اكتفت ببيانات ”الإدانة الشديدة“ في مواجهة هذه التصريحات التي ترى هذه الخطوط الحمراء كعاهرة. هل تعجبنا من هذا التصرف؟ بالطبع لا...
تم إغفال البعد العقائدي للقضية بشكل متعمد. فقد دأبت وسائل الإعلام المهيمنة على الترويج لأكذوبة أن هذه القضية هي عبارة عن حادثة بين منظمة مقاومة فلسطينية و"إسرائيل". إلا أن الطرف الآخر أثبت ولا يزال يثبت أن الأمر ليس كذلك. فهل سنتعقل ونتعظ، هل سنأخذ درسًا؟ هل سنقول ما الذي يجري؟ هل سنتعافى؟ أكيد، الأيام القادمة ستظهر كل ذلك. إنها حقيقة أننا أمام موقف مكيافيللي يفعل ومستعد لفعل أي شيء من أجل ”عقيدته“ الباطلة. وطالما أن نخب الأمة وعلماءها ومفكريها وقادتها لا يدركون ضرورة الاستنفار غير العادي فلن تنفعهم ”إداناتهم الشديدة“.
كان أربكان يحذر الأمة
قبل عقود من الزمن، كان هناك زعيم في تركيا يقول: يجب أن نقيم الاتحاد الإسلامي! أتحدث عن أربكان عليه رحمة الله. كان يحذر دائمًا من هذا الأمر: "انظروا! ما يحدث في فلسطين ليس نزاعًا على الأرض. هناك مشروع مستمر منذ آخر عهد الدولة العثمانية لإقامة دولة "إسرائيل الكبرى". وفي هذا السياق، تم إنشاء دول قومية. وتم تغييب وعي المسلمين بكونهم أمة واحدة. وتم تصميم نظام التعليم في هذا السياق. تم إظهار الخونة كأبطال والأبطال كخونة. وزُرعت بعض بذور الشقاق ليقاتل المسلمون بعضهم بعضًا. وبهذه الطريقة تم تأمين تجذر إسرائيل المريح وتقويتها..." لقد قال أكثر من ذلك بكثير، فهل سمع أحد!؟ القرية التي تذبح ديكها معادية للصباح. هذا ما حدث بالضبط...
ما الذي يخبرنا به التاريخ؟
كان نفس الوضع يجري في الأندلس. فبينما كان المسلمون محاصرين، كانوا في غفلة من أمرهم و صاروا بيادق لمشروع عظيم ينذر بتدميرهم. ولم يدركوا ما كان يحاك ضدهم من مؤامرات بسبب ما كان بينهم من صراعات. وعندما فتحوا أعينهم رأوا أن جيوش العدو قد دخلت بلداتهم. لكن الأوان كان قد فات. لقد ذكرنا أعلاه ... حدث نفس الشيء عندما انهارت الدولة العثمانية. أولئك الذين اتخذوا من البريطانيين مرشدين لهم تسببوا في حدوث الحالة التي نعيشها اليوم. دعونا لا ننسى أن أولئك الذين لا يتعلمون من الماضي يخسرون اليوم وغداً... لقد خسر الجيل الماضي هذا القرن. فهل يحق لنا أن نضيع القرن القادم؟!
ماذا علينا أن نفعل؟
من غير المنطقي وغير العقلاني الرد على مشروع بهذا الحجم بالإدانة. ومما لا شك فيه أن الاكتفاء بمثل هذا الرد غير منصف وغير مشرف. ما يجب القيام به أولاً وقبل كل شيء هو نشاط جماعي لتوعية الجماهير. يجب أن تدرك مجتمعاتنا هذا الخطر المحدق بها. وبعبارة أخرى، يجب أن ندرك أن القضية ليست قضية فلسطين فحسب، ويجب طرح ملف الأمة كلها على الميدان. يجب أن تُطرح ردود فعل قاسية في سياق إعادة الأنظمة التي فقدت عقلها ومنطقها إلى جادة الصواب، ويجب البدء بمرحلة الإعداد لمواجهة عسكرية واقتصادية كبيرة. وكأفراد، ينبغي بذل الجهود لرفع مستوى الادراك والفكر وثقافة المقاومة. ومما لا شك فيه أن ليس للانسان إلا ما سعى!