خاص / شهاب
دُفنت بيسان فياض منذ يناير/كانون الثاني 2024، بعد أن تسلّمت عائلتها جثمانًا قيل إنه يعود لابنتهم، مرفقًا بملابسها وهويتها الشخصية، وقيل حينها إنها قضت شهيدة تحت القصف. غير أن الصدمة الكبرى جاءت لاحقًا، حين تبيّن أن بيسان ما زالت على قيد الحياة، معتقلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتعاني من شلل نصفي نتيجة إصابة بالعمود الفقري.
هذه الحادثة كشفت عن جريمة مزدوجة ارتكبها الاحتلال، تتمثل في الإخفاء القسري لبيسان من جهة، والتلاعب بالجثامين وتسليمها للعائلات دون تحديد دقيق للهوية من جهة أخرى، ما ضاعف من ألم أسرتها وجعل قصتها رمزًا لمعاناة مئات العائلات الفلسطينية المكلومة.
التلاعب بالجثامين
لم تكن حادثة عائلة فياض استثناءً، بل جزءًا من سياسة أوسع اتبعها الاحتلال خلال حربه على غزة. فقد تكررت حالات التلاعب بالجثامين والإخفاء بعد الموت، وهو ما وثّقته تقارير دولية أشارت إلى تدمير أو الإضرار بما لا يقل عن 16 مقبرة في القطاع، بعضها جرى تجريفه بالكامل خلال العمليات العسكرية، وفق تحقيقات لشبكات دولية مثل "سي إن إن"، و"نيويورك تايمز"، و"المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان".
الكشف عن المقابر الجماعية مثّل ذروة هذا الانتهاك؛ إذ عُثر على قبور جماعية في أكثر من موقع، أبرزها في مستشفيي الشفاء وناصر، حيث اكتُشفت حتى مايو/أيار الماضي نحو 520 جثة دُفنت بشكل جماعي، بعضها بلا هوية واضحة. هذا المشهد أثار قلقًا واسعًا لدى الأمم المتحدة ومؤسسات حقوقية، التي طالبت بفتح تحقيقات دولية مستقلة.
"عنف ضد الأموات"
ويصف خبراء حقوق الإنسان هذه الممارسات بأنها شكل من أشكال "العنف على الأموات". فالعائلات تُحرم من الحق في وداع أحبائها ودفنهم وفق الأعراف، بينما تُسلّم جثث أخرى أو هويات شخصية دون تطابق دقيق، في محاولة لطمس معالم الجريمة وإرباك الأهالي.
تؤكد منظمات حقوقية أن ما تعرضت له الشابة بيسان فياض، وما تكشّف خلال الحرب على غزة، يندرج تحت بند الإخفاء القسري، وهو جريمة منصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
وبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، يُعدّ أي اعتقال أو احتجاز يتبعه رفض الاعتراف بمصير الشخص أو مكان وجوده بمثابة انتهاك جسيم يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ما ارتُكب على نحو واسع النطاق.
على الصعيد الدولي، شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على ضرورة الكشف الفوري عن مصير المفقودين في غزة، مؤكدة أن "حق العائلات في معرفة مصير أحبائها غير قابل للتصرف".
كما اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن اكتشاف المقابر الجماعية في مستشفيات غزة دليل خطير على وقوع "انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا".
إذلال للعائلات
محليًا، اعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن سياسة الاحتلال في احتجاز الجثامين أو تسليمها دون تحديد هوية دقيقة "تمثل إمعانًا في إذلال العائلات الفلسطينية وحرمانها من أبسط الحقوق الإنسانية".
أما هيئة شؤون الأسرى والمحررين فوصفت ما حدث مع عائلة فياض بأنه "جريمة مزدوجة" تمثلت في الإخفاء القسري من جهة، وتضليل العائلة عبر تسليم جثمان لا يعود لابنتهم من جهة أخرى.
وفي السياق ذاته، يؤكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن هذه الممارسات تعكس "نهجًا ممنهجًا" من قبل الاحتلال لإخفاء الحقائق، مطالبًا بتدخل دولي عاجل لإجبار إسرائيل على الكشف عن مصير جميع المعتقلين والمفقودين في القطاع.
لا تقتصر معاناة الإخفاء القسري على الضحايا أنفسهم، بل تمتد إلى عائلاتهم التي تعيش في حالة من الانتظار المعلّق بين الأمل والخذلان.
قصة عائلة بيسان فياض تجسد هذه المأساة بوضوح؛ فبعد أن ودّعت العائلة ابنتها معتقدة أنها قضت تحت القصف، عاشت صدمة جديدة حين تبيّن أن بيسان على قيد الحياة ومعتقلة في سجون الاحتلال وتعاني من إصابة خطيرة. هذه التجربة المزدوجة بين الفقدان والخذلان تركت العائلة في حالة صراع دائم مع الألم، ورسّخت مشاعر فقدان الثقة في أي معلومة تصدر عن سلطات الاحتلال.
الحزن المعلق
من الناحية النفسية، يحذّر مختصون من أن هذه الحالات تخلق ما يُعرف بـ "الحزن المعلّق"، حيث لا يتمكن الأهل من الحداد على أحبائهم ولا من الاطمئنان إلى حياتهم، وهو ما يضاعف من الآثار النفسية طويلة الأمد.
أما اجتماعيًا، فإن غياب الأبناء والمجهول الذي يلفّ مصيرهم يربك الحياة اليومية للعائلات، ويعمّق من أجواء القلق الجماعي داخل المجتمع الفلسطيني.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يستهدف من خلال هذه السياسات ضرب تماسك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، عبر تفتيت الأسر وإدخالها في دائرة مستمرة من الخوف والانتظار واليأس.
إلا أن صمود العائلات وإصرارها على البحث عن الحقيقة، يظل شاهدًا على قوة الإرادة الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والغياب.
بيسان فياض.. رمز
مصير بيسان، التي تحولت من "شهيدة" إلى معتقلة مصابة بالشلل النصفي داخل السجون الإسرائيلية، بعد أن سبق وسُلّم لذويها جثمان مرفق ببطاقتها الشخصية وملابسها، لم يكن مجرد التباس إنساني، بل جريمة مزدوجة تمثلت في الإخفاء القسري والتلاعب بالجثامين.
لتصبح بيسان رمزًا صارخًا لمعاناة مئات العائلات الفلسطينية التي ما زالت تبحث عن أحبائها وسط ضباب الحرب.
إن استمرار الاحتلال في احتجاز الجثامين وتسليمها دون تحديد دقيق للهوية، إلى جانب اكتشاف مقابر جماعية في أكثر من موقع داخل غزة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية ملحّة.
فبينما تكتفي المنظمات الدولية بالتعبير عن القلق، يتواصل نزيف الألم داخل البيوت الفلسطينية التي تعيش على أمل معلّق بين الحياة والموت. وفي ظل هذا الواقع، تبقى قصة بيسان شاهدًا حيًا على أن العدالة غائبة، وأن معاناة الفلسطينيين لا تتوقف عند حدود القصف أو الاعتقال، بل تمتد لتشمل التلاعب بالموت ذاته.
إن كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إنسانية وقانونية، تفرض نفسها أمام حجم الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين في غزة، وتضع العالم أمام اختبار حقيقي بين الصمت والتواطؤ، أو الانتصار لقيم العدالة وحقوق الإنسان.