شدّد زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد على أنّ وقف الحرب في قطاع غزة أصبح مصلحة إسرائيلية ملحّة، محذراً من أن الحرب المستمرة منذ ما يقارب العامين تحوّلت إلى ما وصفه بـ"أفغانستان إسرائيلية".
وفي مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، شبّه لابيد الوضع الحالي بما جرى في أفغانستان عندما انسحبت الولايات المتحدة بعد عقدين من القتال، قائلاً: "في أفغانستان، هربت القوات الأميركية مهزومةً، ونحن لا نريد أن يحدث هذا لجنود الجيش الإسرائيلي". وأضاف أنّ حكومة نتنياهو فشلت حتى الآن في تحقيق هدفها المعلن بهزيمة حماس، إذ "بعد سنة وعشرة أشهر، هذه الحكومة لم تنجح في القضاء على الحركة أو كسر قوتها العسكرية".
الفشل الطويل
تشبيه لابيد ليس مجرّد استعارة، بل يعكس قلقاً إسرائيلياً حقيقياً من أن تتحول غزة إلى نسخة مكررة من التجربة الأميركية في أفغانستان. فقد أنفقت واشنطن تريليونات الدولارات وخسرت آلاف الجنود، ومع ذلك اضطرت للانسحاب عام 2021 تاركةً طالبان تسيطر على البلاد. المشهد الختامي كان صادماً للعالم: جنود ينسحبون على عجل من مطار كابول وسط فوضى عارمة، في صورة اعتُبرت تجسيداً للهزيمة.
اليوم، يخشى مراقبون إسرائيليون من تكرار نفس النمط: حرب طويلة الأمد، استنزاف للجنود والاقتصاد، عدوّ متجذّر بين السكان، وغياب أفق سياسي للحل. وكما لم تفلح واشنطن في القضاء على طالبان، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه عاجزاً عن كسر حماس التي ما زالت، بعد سنتين تقريباً من القتال، تحتفظ بقدرات عسكرية وتنظيمية وتواصل عملياتها على جبهات متعددة.
"مأزق غزة"
رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيورا آيلند، في حديثه للقناة 12، أقرّ بأن "الضغط العسكري لا يؤثّر على حماس"، مشيراً إلى أن فرضية إمكانية فصل الحركة عن السكان في غزة "وهم غير قابل للتحقق". وأكد أن "غزة هي حماس وحماس هي غزة"، محذراً من أن احتلال القطاع مع بقاء سكانه المعادين سيضع إسرائيل في مأزق استراتيجي خطير: "أنت لم تحل مشكلة بل خلقت مشكلة جديدة".
وأشار آيلند إلى أنّ تكاليف الاحتلال ستكون مضاعفة، إذ ستواجه إسرائيل مقاومة عنيفة تحت الأرض وفوقها، مع خسائر بشرية متصاعدة، إضافةً إلى كلفة سياسية واقتصادية قد تضعف موقعها على الساحة الدولية.
حتى الإعلام العبري لم يعد يتردد في دق ناقوس الخطر. فقد أكدت القناة 13 أنّ استمرار الحرب لم يحقق أهدافه، إذ لا تزال لدى حماس عشرات آلاف المقاتلين الجاهزين للقتال، مضيفة أنّ "عناصر الحركة لا يمكن القضاء عليهم جميعاً ولا حتى السيطرة عليهم، فهم لا يخافون الموت". وأشارت القناة إلى أن هذا الوضع يجعل الحديث عن "نصر عسكري حاسم" مجرد وهم، في ظل واقع ميداني يتسم بالكرّ والفرّ والخسائر اليومية.
حرب بلا أفق
تأتي هذه الانتقادات في وقت بدأ فيه جيش الاحتلال المرحلة الثانية من عملية "عربات جدعون"، التي تركز على السيطرة على مدينة غزة، بعد مصادقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) على خطط التوغل. لكن في المقابل، تواصل المقاومة الفلسطينية عملياتها على محاور متعددة، موقعةً المزيد من القتلى والجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين، ما يثير شكوكاً عميقة حول قدرة إسرائيل على تحقيق "الحسم" الذي وعدت به قيادتها.
إذا كان الانسحاب الأميركي من أفغانستان قد شكّل ضربة موجعة لهيبة واشنطن الدولية، فإن فشل إسرائيل في غزة سيكون أثقل وطأة، لأنه يحدث على حدودها المباشرة. وبينما استطاعت الولايات المتحدة أن تدير انسحابها رغم الفوضى، فإن إسرائيل لا تملك ترف الانسحاب دون أن تدفع أثماناً باهظة على مستوى أمنها الداخلي ومكانتها الإقليمية والدولية.
من هنا، يصبح تحذير لابيد من "أفغانستان إسرائيلية" ليس مجرد تصريح سياسي، بل جرس إنذار من مستنقع استراتيجي قد يغيّر معادلات الصراع ويفرض على إسرائيل أثماناً غير مسبوقة، داخلياً وخارجياً.