داخل أجنحة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، لا يقتصر المشهد على أصوات الأجهزة الطبية وصراخ الجرحى، بل يخيّم أيضًا شبح الجوع وسوء التغذية على مئات المرضى.
الأطباء الذين اعتادوا مواجهة الإصابات البالغة والعمليات المعقدة يجدون أنفسهم اليوم أمام مأساة جديدة: مرضى تنهكهم المجاعة أكثر مما أنهكتهم جراح الحرب. غرف العناية المركزة والجراحة والباطنة وحتى حضانات الأطفال، تحولت إلى ساحات صراع يومي مع انعدام الغذاء العلاجي الضروري لبقائهم على قيد الحياة.
ومع استمرار الحصار ونفاد الإمدادات، لم يعد الحديث عن "نقص" في المستلزمات الغذائية، بل عن انعدام كامل للتغذية الوريدية والأنبوبية، ما يضع الأطباء في مواجهة مباشرة مع خطر الوفاة الذي يلاحق مرضاهم. ففي حين كانت مستشفيات غزة سابقًا تعتمد على بروتينات مركزة، ودهون طبية، وجلوكوز عالي التركيز، إضافة إلى فيتامينات وبدائل علاجية، لم يعد أيّ من ذلك متوفرًا اليوم.
رئيس قسم التغذية في مجمع الشفاء الطبي محمد كحيل ، قال إن المستشفى سجّل أكثر من 900 حالة سوء تغذية في أقسامه المختلفة، تشمل الجراحة والعناية المركزة والباطنة والولادة والحضانة، مؤكدًا أن الأعداد في تزايد مستمر مع استمرار الحرب وحالة المجاعة في قطاع غزة.
وأوضح كحيل في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن نحو ثلث هذه الحالات مصنفة خطيرة، بينها 20 حالة مهددة بالوفاة المباشرة نتيجة نفاد التغذية الوريدية والأنبوبية تمامًا، مشيرًا إلى أن البروتينات المركزة والدهون الطبية والجلوكوز عالي التركيز والفيتامينات الوريدية غير متوفرة نهائيًا.
وأضاف أن المستشفى يفتقر تمامًا إلى البدائل الغذائية العلاجية التي كانت تُستخدم سابقًا لتغذية المرضى في العناية المركزة وأقسام الجراحة، لافتًا إلى أن بعض الأهالي يضطرون لتحضير وجبات منزلية مطحونة لإطعام المرضى عبر الأنابيب، وهو ما يعرضهم للتلوث والالتهابات الخطيرة ويؤخر عملية الشفاء.
وبيّن كحيل أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من الأزمة، إذ سُجلت أكثر من 120 حالة سوء تغذية بين الأطفال داخل المستشفى، كثير منهم يعانون من الهزال الحاد ونقص العناصر الأساسية، فيما يولد نحو ثلث المواليد الجدد بوزن أقل من 2.5 كيلوغرام، وسط نقص حاد في حليب الأطفال المدعّم.
وأشار إلى أن النساء الحوامل والمرضعات يدخلن المستشفى وهن في وضع صحي صعب، إذ تعاني الغالبية منهن من فقر الدم ونقص المعادن والفيتامينات، ما يؤدي إلى إصابتهن بسوء تغذية.
وأوضح كحيل أن كبار السن ومرضى الفشل الكلوي والجلطات الدماغية، مهددون بشدة في ظل غياب الأنظمة الغذائية الخاصة التي يحتاجونها.
وأكد رئيس قسم التغذية أن وزارة الصحة لم تعد قادرة على توفير الوجبات الغذائية للمرضى، حيث يعتمد المستشفى بشكل شبه كامل على ما يحضره الأهالي أو تقدمه بعض الجمعيات المحلية من وجبات بسيطة مثل الأرز ، وهي غير كافية ولا تلبي الاحتياجات العلاجية.
وسجّلت وزارة الصحة في قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية 7 حالات وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية ، ليرتفع إجمالي وفيات سوء التغذية إلى 339 شهيدًا، من بينهم 124 طفلًا.