خاص / شهاب
تغلغلت قوة "أوريا" في قطاع غزة كجزء من مشهد أوسع يتمثل في حرب إبادة جماعية تشنها إسرائيل ضد سكان القطاع منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فخلال نحو عامين من العمليات العسكرية المتواصلة ارتكبت خلالها إسرائيل سلسلة من المجازر والانتهاكات التي أسفرت عن أرقام كارثية تترافق مع تدمير ممنهج للبنية التحتية: منازل، مدارس، مستشفيات، شبكات مياه وكهرباء، حتى وصلت نسبة الدمار إلى أكثر من 90% من مساحة القطاع وفق تقديرات محلية ودولية.
في هذا المناخ من الفوضى والإبادة، وجدت مجموعات مثل "قوة أوريا" مساحة واسعة للتحرك، مستغلة غياب المحاسبة الدولية. فالمجزرة المستمرة لم تقتصر على القصف والتدمير من الجو والبر، بل امتدت لتشمل إدخال عناصر أيديولوجية متطرفة – من المستوطنين – للقيام بدور مباشر في سياسات التهجير والقتل العشوائي، بما يضاعف من حجم المعاناة الإنسانية للفلسطينيين.
مشروع انتقامي
ويشير مختصون إلى أن استخدام مثل هذه المجموعات يرسخ الطابع العقائدي الديني للحرب، ويحوّلها من مجرد عملية عسكرية إلى مشروع انتقامي يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وهو ما ينسجم مع وصف المنظمات الحقوقية الدولية لما يجري في غزة بأنه تطهير عرقي وإبادة جماعية.
وبحسب المعلومات الواردة في الإعلام العبري فإن "قوة أوريا" تُعدّ تشكيلًا غير رسمي يتألّف، بحسب روايات متداولة وشهادات مقدّمة لوسائل إعلامية، من مجموعة صغيرة من المستوطنين يتراوح عددهم بين 10 و15 شخصًا يعملون في قطاع غزة منذ ما يقارب العام. ورغم أنهم يظهرون بزيّ عسكري ويؤدّون مهام ترتبط غالبًا بالهندسة الميدانية، فإن طبيعتهم القانونية والقيادية تظلّ غامضة: فهم ليسوا وحدة تقليدية ضمن تسلسل القيادة العسكرية الرسمي، بل يتغلغلون عبر آليات التوظيف والشركات المتعاقدة التي تُعلن حاجتها لمشغلي معدات هندسية وعمال لوجستيين، ثم يتم تسليحهم وإدماجهم في بعض مهام الخطة الميدانية.
وبحسب المصادر، يحملون خلفيات أيديولوجية متأثّرة بتفسيرات دينية توراتية وتلمودية، وهو ما ينعكس على دافع بعضهم ومرتكزاته الفكرية في الميدان. هذا التمازج بين صفة "عامل مدني متعاقد" و"عنصر مسلح يرتدي زيًا عسكريًا" أوجد منطقة رمادية في المسؤولية والرقابة: فعلى الورق هم يعملون لصالح شركات تعهّد، لكن في الميدان يتصرفون أحيانًا كقوات ميدانية مستقلة تُصدر قرارات ذات طابع عملي وعملياتي خارج الإطار الرسمي، ما أثار تساؤلات داخل أوساط عسكريةٍ وإعلامية حول من يتحمّل المسؤولية عن أفعالهم والأمر التنفيذي الذي يخضعون له.
وفقا للروايات العامة، بدأت مهام "قوة أوريا" كعمليات هندسية تقليدية: تشغيل الجرافات والمجرفات، نقل الركام، تنفيذ هدم منظم لمبانٍ، والمشاركة في عمليات كشف أنفاق تحت إشراف وحدات مختصة أو بعد توجيهٍ لوجستي. هذه الأنشطة تُعدّ عادة جزءًا من العمليات الهندسية العسكرية التي تتطلّب تنسيقًا واضحًا مع سلاح الهندسة ووحدات إزالة الألغام وفِرق التفتيش.
مسار غير تقليدي
غير أن واقع الميدان شهد تحولًا تدريجيًا في دور القوة؛ إذ انتقلت من مجرد مشغلين هندسيين إلى تنفيذ مهام قتالية وحركية تحمل طابعًا عشوائيًا وخارجًا عن الأطر العسكرية المنظمة. تفاصيل الشهادات تذكر حالات إطلاق نار مباشر على فلسطينيين، ومشاركات في اشتباكات قصيرة المدى، وحتى ممارسات وصفها بعض المصادر بأنها تنطوي على قتل عشوائي. هذا التحوّل لم يأتِ مصحوبًا بضوابط واضحة أو بتصاريح تخطيطية معلنة، ما أدّى إلى تضارب في الأدوار وغموض في أوامر الدخول إلى مناطق لم تُطهّر بعد من العناصر المسلحة.
تتم عملية تجنيد "قوة أوريا" عبر مسار غير تقليدي؛ إذ يجري استقطاب المستوطنين من خلال شركات تعهّدات مدنية تُعلن عن فرص عمل في قطاع غزة تتعلق بنقل الركام أو تشغيل المعدات الثقيلة. في البداية، يظهر المنتسبون في صورة "عمّال" يؤدون أدوارًا لوجستية مساندة للجيش، غير أن هذا الغطاء سرعان ما يتحول إلى وسيلة لإدخالهم الميدان بصفة قتالية، حيث يتم تزويدهم بالسلاح ومنحهم حرية الحركة بين الوحدات العسكرية، رغم أنهم لا يخضعون لمعايير الانضباط ذاتها التي تلتزم بها القوات النظامية. وبهذه الطريقة، يتسلل المستوطنون إلى المؤسسة العسكرية من بوابة الخدمات، ليمارسوا لاحقًا أدوارًا هجومية تشمل إطلاق النار والمشاركة في عمليات التصفية الميدانية بحق الفلسطينيين.
أداة عقائدية
هذا النمط من التجنيد يعكس الطابع الأيديولوجي الذي يحرّك القوة؛ فأفرادها لا ينظرون إلى أنفسهم كعمّال أو جنود فحسب، بل كمنفذين لرؤية توراتية–تلمودية تتبناها الصهيونية الدينية المتطرفة. ومن هنا تأتي الخطورة، إذ تتحول "أوريا" إلى أداة عقائدية داخل الجيش الإسرائيلي، مدفوعة بعقلية انتقامية تستهدف الفلسطينيين بشكل مباشر. وتشير التقديرات إلى أن المستوطنين يشكلون نحو 12% من إجمالي جنود الجيش، لكن نسبتهم بين الضباط تصل إلى 40%، وهو ما يتيح لهم التأثير في صناعة القرار العسكري وصياغة العقيدة القتالية. وبذلك تصبح هذه القوة تجسيدًا لمحاولة السيطرة على الجيش وتوجيهه نحو أجندة انتقامية تعمّق من ممارسات الإبادة والتطهير العرقي في غزة، حيث يختلط الغطاء العسكري الرسمي بالدوافع الدينية المتشددة، لتنتج صيغة أكثر خطورة على المدنيين الفلسطينيين وعلى استقرار المنطقة برمتها.
انتقال "قوة أوريا" من دورها الأولي في تشغيل المعدات الهندسية وهدم المنازل إلى الانخراط المباشر في العمليات القتالية ضد الفلسطينيين شكّل نقطة تحول خطيرة في طبيعة الحرب على غزة. فبدل أن يقتصر عملها على الجرافات وكشف الأنفاق، تحولت هذه المجموعة إلى قوة ميدانية عشوائية تمارس إطلاق النار على المدنيين وتشارك في مجازر ممنهجة، في مشهد يجسّد بوضوح ارتكاب جرائم حرب على نطاق واسع.
في حين أن تغلغل أفراد هذه القوة داخل الجيش الإسرائيلي أتاح لهم العمل تحت مظلة عسكرية رسمية، ما منح جرائمهم غطاءً قانونيًا زائفًا، بينما هي في حقيقتها امتداد لعقلية انتقامية تستند إلى خلفية دينية–توراتية. هذا التداخل بين المستوطنين المتشددين والجيش الرسمي حوّل الساحة الغزّية إلى ميدان لتصفية حسابات أيديولوجية، حيث يُنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم "أعداء وجوديين" لا مجرد خصوم عسكريين. ونتيجة لذلك، أصبح المدنيون – نساءً وأطفالًا وشيوخًا – في قلب الاستهداف، ليتحوّل نشاط "أوريا" إلى أداة إضافية في حرب الإبادة الجماعية، وليكشف عن خطورة توظيف المستوطنين داخل الجيش كوسيلة لتكريس مشروع ديني–سياسي يقوم على القتل والتهجير والتطهير العرقي.