شهاب/ نجلاء نجم
لم يكن بيتًا.. كان كتلة لهبٍ تأكل جدرانًا وتتمدد بطغيانٍ دون توقّف. ركضنا نحو الدمار نظنَّ أن المكان فارغًا، لكنَّ الواجب جعلنا نتخطى الحريق ونصرخ: "في حد عايش؟"
دعوتُ في قلبي أن يكون الجواب صمتًا، أن يكون البيت خاليًا من الروح، لكن صوت سيدةٍ اخترق الدخان والاحتراق: "أنا هنا.. النار تلتهمني وطفليَّ.. أنقذوني!"
يروي عبد الله المجدلاوي، أحد أفراد الدفاع المدني، تفاصيل اللحظة التي تفوق المأساة نفسها، عقب قصف الاحتلال منزلًا لعائلة حسونة في غزّة.
"ارتديتُ عددًا من القفازات لأستطيع انتشال الضحايا، لكن النار تسللت إلى أصابعي".
يتابع عبد الله "كنتُ أسمع السيدة تتوسل بينما كان صوتها يذوب شيئًا فشيئًا كما يذوب جسدها. لم يكن أمامي سوى أن أفديها بروحي، نزعت سترتي و"بلوزتي"، ربطتها على وجهي وحاولت اقتحام الغرفة".
بابٌ واحدٌ فقط كان يفصل بين الحياة والموت، فتح عبد الله نافذة داخلية فرأى المشهد الذي سيطارده العمر كله:
"كل شيء مشتعل.. جسد الأم يذوب وهي تزحف.. يداها انفصلتا عنها.. وطفلها بجوارها يلفظ أنفاسه الأخيرة، أما طفلتها الثانية فقد كانت جثة متفحمة".
بكل ما تبقّى من قوة، انتشل عبد الله وصديقه الأم وطفليها. حملوهم إلى الإسعاف، لكن بعد ساعات قليلة أُعلن ارتقاؤهم جميعًا.
يقول عبد الله: "لم أكن شاهدًا فقط، كنت جزءًا من الحريق، من الصرخات، من الدم والدخان. إنها أصعب لحظة في حياتي، لحظة لن تغادرني ما حييت".
لم تكن المجزرة حدثًا سينتهي بإخماد الحريق ؛ بل جريمة صاغتها النيران التي صبها القصف "الإسرائيلي"، تاركًا فرق الدفاع المدني تواجه الجحيم بلا أدوات، بلا سيارات، بلا حماية، سوى أجساد منهكة وإرادة تصارع المستحيل.
في غزة، يموت الناس تحت الركام أحياءً لأن الاحتلال يمنع إدخال معدات الإنقاذ، ولأن سيارات الإسعاف والدفاع المدني إما دُمرت أو باتت قديمة لا تقوى على حمل هذا الكم من النداءات.
ومع كل صرخة تُوثق تحت الدمار، ومع كل أمٍ تصرخ: "أنقذوا أطفالي"، يبقى الأمل معلقًا في الهواء.. قبل أن تبتلعه ألسنة النار.
وبدعم أمريكي، ترتكب "إسرائيل" منذ 7 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، خلّفت 64 ألفا و300 شهيد، و162 ألفا و5 جرحى من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين.