أثبت الاحتلال "الإسرائيلي" مجددا أن استهدافه لا يقتصر على الأراضي الفلسطينية المُحاصرة، بل يمدّ يده ليطال حتى قادة المُقاومة المتواجدين في الخارج بما في ذلك الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".
وشنّ الاحتلال أمس الثلاثاء، سلسلة غارات على العاصمة القطرية الدوحة، في محاولة فاشلة لاغتيال عدد من قادة حركة "حماس"، بينهم مسؤولون بارزون في المكتب السياسي وأعضاء الوفد المفاوض مع الاحتلال.
ورغم فشل العدوان ونجاة الوفد المفاوض لحماس، فإن ما جرى حمل دلالات واضحة: "دولة الاحتلال" لا تفرّق بين مقاتل في الميدان وقائد سياسي على طاولة التفاوض.
لكن ما يتجاوز الدلالات العسكرية، هو أن هذه القيادات ليست نخبة معزولة عن شعبها، بل تجسّد في حياتها ومصيرها نفس التضحيات التي يقدّمها الفلسطينيون يوميًا.
وأبرز مثال على ذلك القيادي خليل الحية، رئيس حماس في غزة ورئيس الوفد المفاوض للحركة، الذي فقد ثلاثة من أبنائه وعددًا من أحفاده في سلسلة من الاعتداءات، ليقدّم نموذجًا نادرًا لقائد يدفع من دمه وعائلته ثمن انتمائه، تمامًا كما يفعل أبناء شعبه.
"خليل الحية: سيرة مقاوم مثقلة بالتضحيات"
وُلد خليل الحية عام 1960، ونشأ في بيئة اجتماعية وسياسية مشبعة بروح المقاومة.
وتولّى خلال مسيرته مناصب متعددة داخل حركة حماس، منها نائب رئيس الحركة في غزة وعضو المجلس التشريعي المنتخب عام 2006، إضافة إلى مسؤوليته عن ملف العلاقات العربية.
وعقب استشهاد رئيس حماس السابق في غزة القائد يحيى السنوار في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال جنوبي القطاع قبل نحو عام، تولى الحية رئاسة الحركة في القطاع.
كما يقود الحية ملف المفاوضات مع الاحتلال، في محاولة شاقة للوصول إلى اتفاق يوقف الحرب المستمرة للشهر الثالث والعشرين على قطاع غزة.
ورغم أن المفاوضات تبدو مسارًا سياسيًا، فإنها بالنسبة له امتداد للميدان: معركة بالكلمة والورقة، لكنها محفوفة بنفس المخاطر التي يواجهها المقاتلون في الخنادق.
"استهدافٌ دائم وثمنٌ باهظ"
لم يكن استهداف الحية في الدوحة سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات اغتياله.
ونجا القيادي خليل الحية سابقا من محاولة اغتيال "إسرائيلية" عام 2007، حينما استهدف الاحتلال منزلًا ولم يكن متواجدًا في حينه، ما أدى إلى استشهاد 7 أشخاص من أفراد عائلته نتيجة القصف الإسرائيلية.
وعام 2014، نجا من قصف أودى بحياة أفراد من عائلته. وظل الاحتلال يلاحقه باعتباره أحد العقول السياسية البارزة في حماس.
وفي المحاولة الأخيرة، استشهد نجله همام، لينضم إلى شقيقيه الذين استشهدا عامي 2008 و2014. كما فقد الحية عددًا من أحفاده وأفراد عائلته في حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة.
هذه السيرة العائلية المعبّقة بالدماء تضع الحية في صفّ واحد مع عامة الفلسطينيين الذين يفقدون أبناءهم ومنازلهم. وهو ما يمنحه في نظر جمهوره شرعية مضاعفة، كقائد يدفع الثمن ذاته، لا يتمتع بامتيازات تحميه من المصير الجماعي.
"قيادةٌ تدفع أثمانًا شخصية"
الحية ليس استثناءً داخل قيادة حماس أو فصائل المقاومة الأخرى. فقد دفع معظم القادة أثمانًا شخصية باهظة: استشهاد أفراد عائلاتهم، تدمير منازلهم، ونفيهم المستمر بين العواصم.
هذه السيرة المشتركة تجعل القيادة الفلسطينية مختلفة عن كثير من القيادات السياسية في العالم العربي، إذ تعيش ذات التجربة التي يعيشها شعبها، وتبقى أهدافًا مباشرة للآلة العسكرية الإسرائيلية.
وتكشف محاولة اغتيال أعضاء الوفد المفاوض في الدوحة بوضوح أنّ دولة الاحتلال ترى هؤلاء القادة امتدادًا للميدان العسكري، لا مجرد محاورين سياسيين. وهذا يفسّر لماذا تتحوّل حتى جلسات التفاوض إلى لحظات خطرة، يدفع ثمنها القادة وأسرهم بالدماء.
"رسالةُ العدوان: لا حصانة لأحد"
لم يكن استهداف قيادات المقاومة في قطر مجرد عملية عسكرية فاشلة، بل رسالة استراتيجية تقول إنّ الاحتلال لا يعترف بالحصانة السياسية أو الدبلوماسية.
فالدوحة، بوصفها عاصمة الوساطة الأولى في ملفات الحرب على غزة، لم تشفع لها مكانتها ولا دورها. وفي ذلك تحطيم لمفهوم الوساطة نفسه، إذ تريد تل أبيب أن تُظهر أن القادة الفلسطينيين سيبقون أهدافًا أينما كانوا، حتى لو جلسوا إلى طاولة التفاوض تحت رعاية دولية.
"وحدة المسار والمصير"
تجسد هذه الأحداث ما يسميه الفلسطينيون بـ"وحدة المسار والمصير". فالقادة ليسوا بمنأى عن الجراح التي تصيب شعبهم.
عندما يفقد خليل الحية أبناءه وأحفاده، أو يعيش زملاؤه تجربة الاعتقال والتعذيب في السجون "الإسرائيلية"، فإنهم يرسّخون حقيقة أن المقاومة ليست شعارات، بل حياة كاملة تدفع ثمنها الأسر قبل الأفراد، وهذا بدوره يعزز ثقة الجماهير بصدق هؤلاء القادة، ويجعلهم أكثر قدرة على تمثيل هموم الناس وتطلعاتهم.
بموازاة ذلك يُدرك قادة حماس أن المفاوضات ليست مسارًا منفصلًا عن المقاومة المسلحة، بل جزءًا من معركة شاملة مع الاحتلال. ومن ثمّ، فإن جلوس خليل الحية وزملائه على طاولة التفاوض لا يخرجهم من خانة "المجاهدين"، بل يضعهم في خط مواجهة مختلف، لا يقل خطورة عن خطوط النار.
وهنا تكمن المفارقة: دولة الاحتلال تتعامل مع المفاوضين كأهداف عسكرية، بينما يسعى هؤلاء لإيجاد صيغة توقف نزيف الدم في غزة عن أبناء شعبهم انطلاقا من قاعدة رئيسية: قيادة المقاومة ليست نخبة بعيدة عن شعبها، بل تعيش ذات التضحيات والآلام.
والحية الذي فقد أبناءه وأحفاده، وأمثاله من قيادات حماس والمقاومة الذين تعرضوا مرارا لعمليات اغتيال واعتقال واستهداف عوائلهم وهدم منازلهم، هم انعكاس حيّ للشعب الفلسطيني بأكمله ويجسّدون حقيقة أن القيادة ليست منصبًا بل تضحية، وأن المفاوضات ليست مخرجًا سهلاً، بل جبهة أخرى من جبهات الصراع.