خاص / شهاب
تعيش حكومة الاحتلال على وقع خلافات متصاعدة بين المستوى العسكري والقيادة السياسية، بعد عملية "عربات جدعون 2" في غزة. فقد فجّرت العملية نقاشات عميقة حول جدوى الاستمرار في الحرب، وكشفت عن حجم التباينات في تقدير الموقف بين قادة الجيش الذين يواجهون التحديات الميدانية على الأرض، والسياسيين الذين يوازنون بين الضغوط الداخلية والخارجية.
ومع اتساع دائرة الانتقادات وتبادل الاتهامات، باتت هذه الخلافات مادة علنية في الإعلام الإسرائيلي، في مؤشر على هشاشة الجبهة الداخلية وغياب رؤية موحدة لإدارة الحرب.
موضع خلاف داخلي
أطلق جيش الاحتلال عملية "عربات جدعون 2" في قطاع غزة، بوصفها مرحلة جديدة من الحملة العسكرية المستمرة منذ أشهر. الهدف المعلن من العملية كان تعزيز السيطرة الميدانية وإضعاف قدرات حماس والفصائل الفلسطينية، لكن توقيتها جاء في ظل ضغوط متزايدة على المستويين السياسي والعسكري لانتزاع إنجاز ملموس يُقدَّم للجمهور الإسرائيلي.
ورغم الترويج لها كخطوة نوعية، فإن العملية سرعان ما تحولت إلى موضع خلاف داخلي، بعدما تبيّن أن نتائجها لا ترقى إلى مستوى التوقعات، لتصبح بداية شرخ علني بين المؤسستين السياسية والعسكرية.
وبحسب المحللين يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في مواجهة واقع ميداني معقد في غزة، حيث لم تنجح العمليات العسكرية المتكررة في تحقيق أهداف واضحة أو القضاء على القدرات القتالية للفصائل، في حين باتت القيادات العسكرية تشعر أن المؤسسة السياسية تفرض أهدافًا غير قابلة للتحقق على الأرض، دون أن توفّر غطاءً استراتيجيًا أو حلولًا لما بعد المعركة.
كما أن طول أمد الحرب رفع من تكلفة الاستنزاف البشري والمادي، ما جعل أصواتًا داخل المؤسسة العسكرية تطالب بإعادة النظر في طبيعة العمليات وغاياتها.
على الجانب الآخر، ينظر المستوى السياسي بقيادة الحكومة إلى الحرب من زاوية مختلفة. فبالنسبة للسياسيين، أي تراجع أو اعتراف بعدم تحقيق الأهداف يُعد ضربة قاسية أمام الرأي العام وتهديدًا لاستقرار الحكومة الائتلافية. كذلك تحاول القيادة السياسية الموازنة بين الضغوط الأمريكية والدولية التي تدعو إلى التهدئة، وبين ضغط الشارع الإسرائيلي الذي يطالب بحسم عسكري. هذا التناقض جعل السياسيين أكثر حرصًا على الاستمرار في العمليات العسكرية، حتى لو لم تحقق مكاسب ميدانية ملموسة، وذلك حفاظًا على مكانتهم السياسية.
ويؤكد المختصون أنه في ظل هذا التباين، شهدت الأوساط الإسرائيلية تبادلاً متصاعدًا للاتهامات. فالمؤسسة العسكرية تلمّح إلى أن القيادة السياسية تتخذ قرارات غير واقعية وتدفع الجيش إلى معارك غير محسوبة. بالمقابل، تتهم القيادات السياسية الجيش بأنه لم ينجح في استثمار الفرص الميدانية وأنه يتحمّل جزءًا كبيرًا من مسؤولية الإخفاق. هذه المشادات لم تعد خفية، إذ برزت في تصريحات مسربة ولقاءات تلفزيونية، لتتحول إلى خلاف علني يعكس الشرخ المتزايد بين المؤسستين.
انقسام وتناحر
وقد تركت هذه الخلافات أثرًا مباشرًا على صورة القيادة في الشارع الإسرائيلي. فبدل أن تُقدَّم الحرب كجبهة موحدة، برزت صورة الانقسام والتناحر بين مؤسسات الدولة. هذا أضعف قدرة الحكومة على إقناع الجمهور بجدوى العمليات المستمرة، وأثار الشكوك حول قدرة صناع القرار على إدارة الحرب بفاعلية. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، لم تعد المعركة مقتصرة على غزة، بل امتدت إلى ساحة داخلية مرتبكة تتنازع فيها مراكز القوة.
وبحسب استطلاعات الرأي والتعليقات الشعبية، فقد ظهر أن الثقة بالجيش ما زالت أعلى من الثقة بالحكومة، رغم الانتقادات التي تطاله. فالمجتمع الإسرائيلي ينظر إلى الجيش باعتباره مؤسسة مهنية تضحي بالجنود وتدير الميدان تحت ضغوط كبيرة، بينما يرى الحكومة رهينة للتجاذبات الحزبية والاعتبارات الانتخابية. ومع ذلك، فإن تكرار العمليات العسكرية دون تحقيق "نصر واضح" بدأ ينعكس تدريجيًا على صورة الجيش نفسه، ليطرح تساؤلات غير مسبوقة حول مدى قدرته على الحسم.
ويُذكر أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لعبت دورًا في تأجيج النقاش الداخلي، حيث خصصت مساحات واسعة لتغطية الخلافات بين المؤسستين. صحف وقنوات بارزة باتت تتحدث صراحة عن "أزمة ثقة" بين القادة العسكريين والسياسيين، بينما استغلت المعارضة هذه الخلافات لتوجيه ضربات سياسية للحكومة.
أما داخل الكنيست، فتحولت المسألة إلى ورقة ضغط حزبية، حيث تتهم أحزاب المعارضة الحكومة بسوء الإدارة، فيما يدافع الائتلاف الحاكم عن خياراته ويحمل الجيش جزءًا من المسؤولية. هذا الجدل يعكس أن الخلاف لم يعد مجرد نقاش داخلي، بل أصبح أحد أبرز ملامح المشهد السياسي الإسرائيلي في المرحلة الراهنة.
ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أن عملية "عربات جدعون 2" تأتي في إطار السعي لتحقيق إنجازات نوعية على الأرض، إلا أن النتائج الميدانية عكست واقعًا مغايرًا. فالهجمات الواسعة على القطاع لم تسفر عن تغيير جذري في موازين القوى، بل ساهمت في تعميق الكارثة الإنسانية وتوسيع نطاق الدمار، بينما واصلت الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس إظهار قدرة على المناورة والمقاومة، ما جعل العملية تبدو أقرب إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العمليات التي لم تحقق أهدافًا حاسمة.
قلب المنظومة
في الوقت ذاته، تصاعدت الضغوط الدولية بسبب حجم الخسائر في صفوف المدنيين، وهو ما أضعف الموقف الإسرائيلي خارجيًا، وزاد من عزلة الحكومة. ومع استمرار العمليات بلا نتائج ملموسة، ارتفعت الأصوات داخل إسرائيل التي تتساءل: ما الجدوى من الاستمرار في حرب تستنزف الدولة دون أن تحقق الحسم؟
تشير الخلافات المتفاقمة بين المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل إلى جملة من السيناريوهات المحتملة التي قد تحدد مستقبل الحرب على غزة ومآلات الوضع الداخلي. فمن جهة، يُتوقع أن يؤدي استمرار الإخفاقات الميدانية إلى تعمق الشرخ بين الجيش والحكومة، وربما يُفجِّر أزمة سياسية تهدد استقرار الائتلاف الحاكم، سواء عبر ضغوط حزبية متزايدة أو استقالات من داخل الصف الحكومي.
وفي مقابل ذلك، قد تجد القيادة السياسية نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم الاستراتيجية العسكرية، بما يشمل تقليص العمليات أو الانخراط في مسارات تفاوضية غير مباشرة، في محاولة للتخفيف من الضغوط الدولية المتصاعدة وامتصاص الغضب الداخلي. غير أن هذا الاحتمال يواجه مقاومة من التيارات السياسية التي ترى في أي تراجع اعترافًا ضمنيًا بالفشل.
أما الخيار الثالث فيتمثل في التمسك بالنهج العسكري الحالي، رغم ما يحمله من كلفة بشرية واقتصادية وسياسية باهظة، وذلك تفاديًا لأي صورة هزيمة أمام الرأي العام. لكن هذا المسار يحمل مخاطر أكبر على تماسك الجبهة الداخلية وصورة إسرائيل عالميًا، في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة.
وفي جميع الأحوال، فإن أي مسار تتبناه القيادة الإسرائيلية، سواء التصعيد أو التراجع، ستكون له انعكاسات مباشرة على مجريات الحرب في غزة، بين تكثيف القصف وتوسيع رقعة العمليات من جهة، أو الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة قد تُرسم ملامحها تحت ضغط الواقع الميداني والتوازنات الداخلية والخارجية.
في المحصلة، تكشف الخلافات بين الجيش والقيادة السياسية في إسرائيل أن الأزمة لم تعد مقتصرة على ميدان غزة، بل امتدت إلى قلب المنظومة الداخلية، حيث تتقاطع الحسابات الميدانية مع التوازنات الحزبية والضغوط الدولية. وبين خيار التصعيد العسكري أو المراجعة السياسية، يظل مستقبل الحرب مفتوحًا على احتمالات متعددة، ما يعكس حجم الارتباك الذي يعيشه صناع القرار في تل أبيب، ويضع علامات استفهام كبرى حول قدرة إسرائيل على حسم معركة طالت أكثر مما توقعت.