قائمة الموقع

بين الانتحار والهروب من الخدمة : أزمة نفسية غير مسبوقة تهز صفوف جيش الاحتلال في غزة

2025-09-15T12:33:00+03:00

كشفت تقارير مسربة من صفوف الجيش الإسرائيلي على مدار عامين من الحرب على قطاع غزة عن أزمة غير مسبوقة تتعلق بالضغوط النفسية والجسدية على جنود جيش الاحتلال، ما دفع بعضهم إلى الهروب من الخدمة العسكرية، فيما أقدم آخرون على الانتحار.

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها تحقيقات عدة لصحيفة هآرتس الأكثر مصداقية وانتشارًا في كيان الاحتلال، إلى أن هذه الظاهرة تتصاعد منذ بداية العام وتحديدًا مع إعلان الاحتلال شن عملية "جدعون 2"، بينما يرفض الجيش الكشف عن الأرقام الحقيقية لهذه الحالات.

هروب يومي

وتذكر التحقيقات الصحفية الإسرائيلية وتقارير في وسائل الإعلام أن الجنود الإسرائيليين يلجأون إلى استراتيجيات متنوعة لتجنب الخدمة العسكرية في غزة، نتيجة الضغط النفسي والخوف من القتال المباشر أمام المقاومة الفلسطينية.

وبحسب القناة 12 العبرية، أُلقي القبض على ثمانية من الحريديم صباح اليوم في مطار بن غوريون أثناء محاولتهم السفر معًا إلى أوكرانيا لتجنب الخدمة العسكرية، وأوضح التقرير أن أحدهم كان هاربًا منذ عدة سنوات بعد قضائه عقوبة سجن بسبب الفرار من الخدمة، مما يعكس رغبة بعض الجنود في البحث عن ملاذ آمن خارج البلاد بدلًا من مواجهة مهام القتال في غزة، وهو ما يضع الجيش أمام تحدٍّ في مراقبة وإدارة التجنيد الإلزامي.

فيما يلجأ بعض الجنود إلى التظاهر بالمرض أو تقديم تقارير طبية تثبت إصابتهم بصدمات نفسية (PTSD) لتأجيل أو رفض الخدمة في الوحدات القتالية. وفي المقابل، هناك جنود يُجبرون على العودة إلى ساحة القتال رغم وضوح حالتهم النفسية الحرجة، ما يزيد من الضغط النفسي ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الانتحار والهروب.

وتشير تقارير هآرتس إلى أن الجيش الإسرائيلي يعترف بوجود هذه الحالات لكنه يمتنع عن نشر أرقام دقيقة، مكتفيًا بالقول إن هذه الحالات "تحت المتابعة". وهذا يعكس محدودية قدرة المؤسسة العسكرية على التحكم في استقرار صفوف الجنود في مناطق القتال الأكثر خطورة، خصوصًا في غزة، حيث الصراع المكثف والمقاومة الفلسطينية القوية.

تعدد أساليب الهروب – سواء عبر السفر أو التظاهر بالمرض – يكشف أزمة هيكلية في الجيش الإسرائيلي، أبرزها صعوبة الاحتفاظ بالجنود ضمن وحدات القتال وزيادة الضغط على الجنود الآخرين الذين يُجبرون على تعويض الغياب، مما يؤدي إلى ارتفاع احتمالية الانهيار النفسي أو الانتحار بين الجنود الذين يواجهون القتال المباشر.

تشير الوقائع إلى أن هذه الاستراتيجيات أصبحت جزءًا من الواقع العسكري في الجيش الإسرائيلي، حيث يحاول الجنود إيجاد مخرج شخصي للبقاء على قيد الحياة بعيدًا عن مواجهات غزة، مما يعكس هشاشة المؤسسة العسكرية أمام صمود المقاومة الفلسطينية.

حالة تهديد دائم

تشير التقارير إلى أن العديد من الجنود الإسرائيليين أقدموا على الانتحار نتيجة الضغوط النفسية الناتجة عن الخدمة في غزة. ووفقًا لتقرير نشرته وكالة الأناضول، فقد أقدم 16 جنديًا إسرائيليًا على الانتحار منذ بداية عام 2025، مع ارتباط معظم الحالات بالصدمة النفسية الناتجة عن الحرب في غزة. كما أشار تقرير آخر إلى أن العدد الإجمالي للجنود الذين انتحروا منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023 وصل إلى 54 جنديًا.

إضافة إلى ذلك، هناك شهادات لجنود تعرضوا لضغوط نفسية شديدة، حيث أفاد أحد الجنود بأنه كان يواجه صعوبة في النوم بسبب الكوابيس المستمرة، وكان يشعر بالخوف المستمر من التعرض للهجوم من قبل المقاومة الفلسطينية. هذه الشهادات تعكس حجم الضغط النفسي الذي يعاني منه الجنود الإسرائيليون أثناء خدمتهم في غزة.

وبحسب الخبراء، تمثل المقاومة الفلسطينية أحد العوامل الأساسية التي تزيد من الضغط النفسي على الجنود الإسرائيليين، سواء في الوحدات القتالية النظامية أو الاحتياطية، خاصة وأن المقاومة الفلسطينية تعتمد على تكتيكات عسكرية متنوعة وفعالة تشمل القصف المكثف والاستهداف المباشر لمواقع الجيش. هذه الهجمات تجعل الجنود في حالة تهديد دائم، وتزيد من مستوى القلق والخوف لديهم، خصوصًا أثناء تواجدهم في مواقع غير محصنة.

في حين تشكل الهجمات المفاجئة وتغيير مواقع القتال باستمرار صعوبة لدى الجنود الإسرائيليين في توقع أماكن الاستهداف، مما يزيد من شعورهم بعدم الأمان وعدم السيطرة على الموقف.

ووفقًا لتقارير هآرتس وتايمز أوف إسرائيل، فإن الجنود الذين يخدمون في مناطق القتال الميداني في غزة يواجهون ضغوطًا مستمرة تجعلهم يعيشون حالة من الرعب النفسي المزمن، ما يدفع البعض إلى الانسحاب أو محاولة الهروب من الخدمة.

وفي اتجاه آخر، تبرز أزمة جنود الاحتياط الذين يجدون صعوبة في التأقلم بعد استدعائهم للعودة إلى الخدمة العسكرية رغم إصابتهم بصدمات نفسية أو اضطرابات كالكوابيس المستمرة واضطرابات النوم، وتجنب الاتصال مع زملائهم أو المشاركة في عمليات قتالية، علاوة على ارتفاع مستويات القلق والخوف من الموت أو الإصابة.

الموت أو الإعاقة

فيما كشف تقرير لموقع "والا" العبري أن قسم التأهيل في الجيش الإسرائيلي يتوقع أن يصل عدد المصابين الذين سيتعامل معهم خلال السنوات الثلاث المقبلة إلى نحو 100 ألف مصاب. ووفق المعطيات الحالية، يتابع القسم 81,700 مصاب من حروب وعمليات عسكرية سابقة، بينهم 31 ألف جندي يعانون من مشكلات وصدمات نفسية. وأشار التقرير إلى أن الحرب الجارية على قطاع غزة رفعت الأعداد بشكل غير مسبوق، حيث استقبل قسم التأهيل أكثر من 20 ألف مصاب جديد، يقارب نصفهم ممن يواجهون قضايا وصعوبات نفسية نتيجة القتال. وبحسب التقديرات، فإن العدد الإجمالي للمصابين الذين سيبقون تحت متابعة قسم التأهيل قد يتخطى بحلول عام 2028 حاجز 100 ألف مصاب، ما يضع عبئًا متزايدًا على المؤسسة العسكرية في معالجة الأبعاد الجسدية والنفسية للحرب.

يواصل الجيش الإسرائيلي رفض الإفصاح عن الأرقام الحقيقية المتعلقة بمحاولات الانتحار والهروب من الخدمة العسكرية، ما يصعّب على الصحافة والمحللين تقييم حجم الأزمة النفسية داخل المؤسسة العسكرية. وهذا التعتيم يعكس هشاشة الجيش الإسرائيلي داخليًا، ويترك الجنود في مواجهة صدمة نفسية مستمرة دون دعم كافٍ، مما يزيد من احتمالية تفاقم حالات الانتحار والهروب.

وبحسب تقارير هآرتس وتايمز أوف إسرائيل، فإن الجيش يميل إلى تقديم بيانات رسمية محدودة للغاية، مكتفيًا بالإشارة إلى أن حالات الانتحار والهروب "قيد المتابعة"، دون كشف أرقام دقيقة أو سياق تفصيلي. هذا النهج يجعل من الصعب على الإعلام والصحافة المستقلة تقييم مدى حجم الأزمة أو انتشارها بين الجنود، ويخلق فجوة معلوماتية حول صحة القوات النفسية.

وهذه السياسة في التعتيم تنعكس على الجنود، فغياب الشفافية يترك الجنود في وضع نفسي هش، إذ يشعرون بأنهم محاصرون بين واجبات الخدمة العسكرية الضاغطة وغياب أي دعم فعّال من قيادتهم. وقد أظهرت شهادات جنود سابقين أنهم يواجهون خوفًا مستمرًا من العقوبة أو الانتقاد عند طلب الدعم النفسي، وضغطًا متزايدًا نتيجة مسؤولية العمليات العسكرية في ظل بيئة قتالية شديدة الصعوبة، علاوة على شعور بالعزلة داخل وحداتهم، ما يزيد من احتمالية الانسحاب أو الانتحار.

ويرى الخبراء أن الحالات الموثقة من الانتحار والهروب، إلى جانب رفض الجيش الإفصاح عن أرقامها، تؤكد هشاشة المؤسسة العسكرية أمام الصدمات النفسية الناجمة عن الحرب في غزة. ففي دراسة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، أكدت أن الجيش يعاني من صعوبة في الحفاظ على معنويات الجنود، وأن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في وحدات معينة بل تشمل وحدات قتالية متعددة، بما في ذلك الاحتياط.

اخبار ذات صلة