خاص / شهاب
منذ اندلاع الحرب على غزة، بدت أولويات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبعد ما تكون عن حياة جنوده. فقد انشغل بتثبيت موقعه السياسي والهروب من أزماته القضائية، أكثر من انشغاله بمصير القوات التي تقاتل في الميدان.
مع الوقت، برزت إلى السطح أزمة فشل نتنياهو في التعامل مع أزمات الجنود الموجودين في الوحدات القتالية على الجبهة في غزة، أو الجنود المصابين والموجودين في عدة مستشفيات للعلاج وإعادة التأهيل بعد الإعاقة والعجز، أو في ملف الجنود الأسرى لدى حماس، مما يُضعف قدرة جيش الاحتلال على الحفاظ على تماسكه القتالي، ويجعله أكثر عرضة للتفكك النفسي والمعنوي.
العجز القيادي
صحيفة هآرتس وصفت في افتتاحياتها المتكررة سلوك نتنياهو بـ"العجز القيادي"، مشيرة إلى أن الرجل "يدير الحرب بعقلية بقاء سياسي شخصي"، ويترك الجيش بلا رؤية استراتيجية واضحة. وفي تقرير آخر، اعتبرت أن سياسات نتنياهو لا تستجيب لمطالب عائلات الجنود، ولا تضع احتياجاتهم في مقدمة الأولويات، بل تُدار ضمن مساومات ائتلافية مع اليمين المتطرف.
أما صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد نشرت سلسلة مقالات عن فقدان الثقة بين عائلات الجنود والحكومة، واعتبرت أن نتنياهو "ينظر إلى دماء الجنود كأداة لتعزيز موقعه أمام شركائه في الحكم"، في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي على تجاهله لمعاناة القوات في غزة.
الإعلام العربي التقط هذه الفجوة كذلك، حيث نشرت قناة الجزيرة تحليلاً اعتبرت فيه أن "نتنياهو يحاول تقديم صورة النصر عبر الإعلام، فيما يزداد الشرخ بينه وبين عائلات الجنود الذين يحمّلونه المسؤولية المباشرة عن مقتل أبنائهم أو تركهم دون إمداد كافٍ في الجبهات".
هذا الإهمال السياسي انعكس على صورة الجيش داخليًا، إذ بدأت أصوات في المجتمع الإسرائيلي تتساءل عن جدوى الحرب إذا كان القادة السياسيون يتهربون من مسؤولياتهم تجاه من يضحون بأرواحهم.
بذلك، يمكن القول إن نتنياهو لم يكتفِ بتوريط الجيش في حرب استنزاف طويلة، بل ضاعف الأزمة حين تخلّى عن مسؤولياته الأساسية في رعاية الجنود، ما جعل الإهمال السياسي يتحوّل إلى أزمة مؤسساتية عميقة.
ففي تقرير نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية منتصف سبتمبر 2025، اعترف الجيش بأن مئات الجنود المنتشرين في مواقع متقدمة بقطاع غزة أصيبوا بـ"تقرحات جلدية ولسعات براغيث وبقّ" نتيجة البيئة الملوّثة التي يعيشون فيها، في ظل غياب الرعاية الطبية والنظافة الأساسية.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ هذه الحالات تسببت بشكاوى متكررة من الجنود وعائلاتهم، متهمة القيادة العسكرية بالتقاعس عن توفير أبسط متطلبات الوقاية.
اهمال متعمد
صحيفة معاريف بدورها نشرت تقارير مشابهة حول "الإرهاق النفسي والجسدي" الذي يعانيه الجنود، مؤكدة أن غياب فترات الراحة ونقص الإمدادات الغذائية والمياه يزيد من تدهور أوضاعهم الصحية. أحد المراسلين العسكريين كتب أن "جيش الاحتلال يحاول التعتيم على الظروف الميدانية، لكن الحقيقة أن الجنود يُتركون لمصيرهم بين الأنقاض وتحت ضغط هائل دون دعم لوجستي حقيقي".
وبحسب تقرير موسع نشرته القدس العربي، قالت فيه إن "المشاهد الخارجة من غزة تكشف جنودًا يفتقرون لأدوات الحماية الشخصية الكافية، ما يضعهم في مواجهة الأمراض والإصابات دون سند طبي"، مشيرة إلى أن هذا الوضع فاقم من معدلات الانسحاب النفسي بين صفوف القوات.
وركّزت على شهادات لعائلات جنود أرسلوا رسائل احتجاج لوزارة الدفاع، يطالبون فيها بتوفير ظروف إنسانية لأبنائهم، بعد أن وصلت إليهم تقارير عن نوم الجنود على الأرض وسط الحشرات والقاذورات.
فيما نشرت صحيفة هآرتس تحقيقًا وصفته بـ"الصرخة الصامتة"، تناول فيه أوضاع عشرات الجنود الذين بُترت أطرافهم خلال الحرب على غزة. التحقيق أشار إلى أنّ مستشفى "تل هشومير" في تل أبيب بات عاجزًا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين، بينما تشتكي عائلات الجنود من "غياب أي خطة حكومية لإعادة التأهيل الجسدي والنفسي".
أما صحيفة يديعوت أحرونوت فقد سلّطت الضوء على شهادات لجنود مقعدين بعد إصابات بالغة، قالوا إنهم تُركوا لمصيرهم دون متابعة علاجية مناسبة، وإن المساعدات المالية المقدمة لهم لا تكفي حتى لتغطية نفقات العلاج الخاص. أحد المعلقين في الصحيفة كتب أنّ "الحكومة الإسرائيلية التي تسرع لتمويل صفقات السلاح، تتباطأ عندما يتعلق الأمر بضحايا الحرب من جنودها".
جرح مفتوح
وبحسب الصحيفة، قضية المصابين تحولت إلى جرح مفتوح في المجتمع الإسرائيلي، حيث يرى كثيرون أنّ الدماء التي سالت في غزة لم تُقابل سوى بالتجاهل، وأنّ من نجا من الموت يواجه اليوم موتًا بطيئًا عبر الإهمال.
وفي سياق آخر، نشرت صحيفة هآرتس تحقيقًا في أغسطس 2025، أكدت فيه أنّ الجيش يرفض الكشف عن الأرقام الحقيقية لمحاولات الانتحار بين الجنود منذ بدء الحرب على غزة. واعتبرت الصحيفة أنّ هذا "التعتيم المتعمّد" يهدف إلى حماية صورة المؤسسة العسكرية، لكنه في الواقع يضاعف الأزمة ويترك الجنود عرضة للانهيار النفسي دون دعم.
في السياق نفسه، أفادت يديعوت أحرونوت أنّ أعدادًا متزايدة من الجنود الشباب يحاولون التهرب من التجنيد أو يفرّون من الخدمة بعد أسابيع من انضمامهم إلى الجبهات. الصحيفة نقلت عن خبراء عسكريين أنّ "الخوف من القتال في غزة، إلى جانب مشاهد الإصابات والتشوهات، جعلت الخدمة العسكرية كابوسًا لا حلمًا وطنيًا كما يُروّج".
وبحسب المختصين، يُعد ملف الجنود الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية أحد أكثر القضايا التي تكشف إهمال الحكومة الإسرائيلية وازدواجية معاييرها. فبينما تُقدّم تل أبيب نفسها كدولة "لا تترك جنودها في الميدان"، تكشف الوقائع أنّ الأسرى لدى حماس تحوّلوا إلى ورقة مهملة في حسابات نتنياهو السياسية.
صحيفة هآرتس انتقدت بحدة في يوليو 2025 تعامل الحكومة مع هذا الملف، مؤكدة أنّ نتنياهو "يخشى الدخول في صفقة تبادل شاملة خشية اتهامه بالخضوع لحماس"، ما جعله يفضّل المماطلة وترك الأسرى لمصيرهم. واعتبرت الصحيفة أنّ هذه السياسة أدت إلى "غضب غير مسبوق" في صفوف عائلات الأسرى، التي تنظم احتجاجات متكررة أمام مكتبه.
في تقرير آخر، نشرت يديعوت أحرونوت أنّ عائلات بعض الجنود الأسرى "يشعرون بالخيانة من الدولة"، بعدما رفضت الحكومة حتى الكشف عن أي تفاصيل حقيقية حول أوضاع أبنائهم. وأشارت الصحيفة إلى أنّ الأهالي يتهمون القيادة السياسية بأنها "تتعامل مع الجنود كأوراق تفاوضية، لا كبشر لهم حياة وحقوق".
وبحسب المختصين، فإن هذا الإهمال في التعامل مع ملف الأسرى لم يضر فقط بعائلات الجنود، بل مسّ جوهر ما يسميه الإسرائيليون بـ"العقد الاجتماعي" بين الجيش والمجتمع، الذي يقوم على مبدأ "لا يُترك جندي خلف خطوط العدو". ومع كل يوم يمرّ دون حسم، يتآكل هذا المبدأ أكثر، مهدّدًا بتصدّع خطير داخل المؤسسة العسكرية والسياسية على حد سواء.
أزمة ولاء عميقة
ويرى المحللون أن تراكم أوجه الإهمال السياسي والعسكري والطبي والنفسي، إضافة إلى ملف الأسرى، لا يترك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مأمن، بل ينذر بانفجار أزمة داخلية تهدد وجودها كركيزة أساسية للكيان.
صحيفة معاريف حذّرت في تقرير لها من أنّ "تراجع ثقة الجنود وعائلاتهم في القيادة السياسية والعسكرية قد يتحوّل إلى أزمة ولاء عميقة"، مشيرة إلى أنّ الجيش الذي كان يُنظر إليه لعقود كـ"البوتقة الجامعة للإسرائيليين"، يواجه اليوم انقسامات حادة وتآكلًا في صورته.
في السياق ذاته، اعتبرت هآرتس أنّ فشل نتنياهو في التعامل مع أزمات الجنود، سواء في الميدان أو في المستشفيات أو في ملف الأسرى، يُضعف قدرة الجيش على الحفاظ على تماسكه القتالي، ويجعله أكثر عرضة للتفكك النفسي والمعنوي. الصحيفة حذّرت من أنّ استمرار هذا النهج "قد يقود إلى كارثة بنيوية تضرب المؤسسة الأمنية من الداخل أكثر من أي تهديد خارجي".
ويؤكدون أن تداعيات هذا الإهمال لا تتوقف عند حدود الجيش فقط، بل تهدد أيضًا الأمن القومي الإسرائيلي. فالمؤسسة العسكرية التي تعاني من فقدان الثقة الداخلي، ستجد نفسها عاجزة عن خوض حروب طويلة أو فرض معادلات ردع جديدة، وهو ما قد يغيّر موازين القوى في المنطقة.
وينوهون أن القول إنّ الإهمال الممنهج من جانب نتنياهو وحكومته لم يعد أزمة إنسانية تخص الجنود وحدهم، بل بات قنبلة موقوتة تهدد أمن إسرائيل واستقرارها السياسي والعسكري على المدى الطويل.