قدّم الباحث والخبير في الشؤون الإسرائيلية رامي أبو زبيدة قراءة موسعة لمقالة الصحفي الإسرائيلي البارز بن درور-يميني، المنشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت، والتي حملت انتقادات غير مسبوقة لسياسات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وحذّرت من أنّ استمرار النهج العسكري الأحادي يقود إسرائيل إلى مصير شبيه بمصير "إسبرطة" القديمة، التي بنت وجودها على العنف الدائم قبل أن تنتهي إلى الانهيار.
وأوضح أبو زبيدة أنّ المقالة ترسم صورة قاتمة للوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث انطفأت أصوات الاحتجاج وتراجعت المعارضة إلى الخلف، فيما أُسكت المستشارون وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى مجرد ديكور بلا تأثير. وبحسب قراءة أبو زبيدة، فإن يميني يصوّر الحكم في إسرائيل اليوم على أنه في يد شخص واحد هو نتنياهو، الذي يتخذ القرارات منفردًا ويقود البلاد نحو حرب لا يريدها معظم الإسرائيليين، لكنها تخدم بقاءه السياسي على رأس السلطة.
وأشار أبو زبيدة إلى أن الكاتب الإسرائيلي قدّم تشخيصاً صادماً لواقع الحرب في غزة، باعتبارها حرباً بلا أهداف واضحة أو أفق استراتيجي. فبعد سنوات طويلة من القتال، وسقوط مئات القتلى من الجنود، وإضعاف بعض قدرات حماس، لم يتحقق أي حسم حقيقي. بل إن أي نصر يُروّج له ستكون كلفته أكبر بكثير من منفعته، وهو ما يضع إسرائيل أمام معادلة استنزاف مستمر في الأرواح والموارد.
وأضاف أبو زبيدة أنّ المقال يبرز أيضاً الفشل السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، التي أضاعت فرصاً مهمة لاحتواء أزمتها عبر رفض مبادرات مثل الخطة المصرية والوثائق العربية المشتركة. هذا التعنت لم يؤدِّ فقط إلى تكريس العزلة الدولية، بل أسهم كذلك في إبعاد بعض الدول التي تربطها علاقات سلام مع إسرائيل نحو معسكر الخصوم. ومن هنا يظهر – بحسب تحليل أبو زبيدة – أن إسرائيل لم تخسر فقط في الميدان، بل في قاعات السياسة والدبلوماسية أيضاً.
وفي جانب آخر من قراءته، لفت أبو زبيدة إلى السخرية التي تضمنها مقال يميني من خطابات نتنياهو، التي تتعمد تضخيم أي عملية عسكرية بعيدة باعتبارها «رسالة استراتيجية»، في حين يكشف الواقع تآكلاً متسارعاً في مكانة إسرائيل السياسية والاستراتيجية. وأوضح أن هذه الرسائل الفارغة ليست سوى محاولة للتغطية على فشل القيادة في تقديم إنجاز حقيقي أو بلورة رؤية للخروج من المأزق.
أما التحذير الأبرز الذي توقف عنده أبو زبيدة فهو استعارة "إسبرطة"، التي استحضرها الكاتب الإسرائيلي للإشارة إلى خطورة تحوّل إسرائيل إلى مجتمع يعيش على العنف والحرب الدائمة، مثلما كانت عليه إسبرطة، والتي انتهت في النهاية إلى الانهيار. هذه المقارنة – بحسب أبو زبيدة – ليست مجرد صورة أدبية، بل تعكس خشية عميقة من أن تكون إسرائيل قد دخلت مساراً خطيراً يهدد كيانها واستقرارها على المدى البعيد.
وختم أبو زبيدة قراءته بالتأكيد على أن مقالة بن درور-يميني تفضح بوضوح كيف يقود نتنياهو دولة الاحتلال نحو حرب طويلة الأمد، بلا أهداف واضحة، وبلا خطط لإدارة غزة بعد العمليات العسكرية، ولا إجابات حول مستقبل الخدمات الصحية والغذاء والبنى التحتية هناك. إنها حرب – كما يخلص المقال – تُدار من أجل بقاء سياسي شخصي، بينما الثمن الذي تدفعه إسرائيل داخلياً وخارجياً يتضاعف يوماً بعد يوم.