قائمة الموقع

من لندن إلى كانبيرا: دماء غزة تحرج الغرب وتعيد فلسطين إلى قلب السياسة الدولية

2025-09-22T08:55:00+03:00

من لندن إلى كانبيرا، ومن أوتاوا إلى ساحات التضامن، بدا أن العالم الغربي يقرأ مشهداً مختلفاً: لم يعد الأمر نزاعاً محصوراً بين دولتين، بل قضيةَ عدالةٍ وإنسانيةٍ لا تحتمل المساومة. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن هذا الانتصار الدبلوماسي — مهما كانت حدوده العملية الآن — هو اعترافٌ بما دفعوه ثمناً: دماء الشهداء، ومرارة النزوح، وصمود من رفضوا الاستسلام أمام آلة التدمير المتعاظمة.

وبحسب الخبراء، فإن إعلان بريطانيا وأستراليا وكندا اعترافَها الرسمي بدولة فلسطين لم يكن خطوة رمزية عابرة، بل لحظة فارقة تكشف حجم التحول الذي أحدثته حرب غزة، إذ كسرت جدار الصمت الغربي وفتحت الباب أمام مسار سياسي جديد يُربك حسابات إسرائيل ويضعها أمام عزلة دولية متسارعة.

مرآة أخلاقية للعالم

لم تكن موجة الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية وليدة مبادرات دبلوماسية باردة، بل ثمن مباشر  لحرب الإبادة التي شنّها الاحتلال على غزة، والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب الساحة الدولية بعد سنوات من محاولات التهميش.

صور الأطفال الشهداء تحت الركام، وصرخات النساء المكلومات، ومواكب الجنازات التي لم تتوقف، هي التي كسرت جدار التجاهل الغربي وأحرجت الحكومات أمام شعوبها، لتصبح فلسطين قضية رأي عام عالمي قبل أن تكون بنداً على طاولة السياسة.

لقد تحولت غزة — بجراحها المفتوحة وصمودها اللامحدود — إلى مرآة أخلاقية للعالم، فدفعت لندن وكانبيرا وأوتاوا إلى الاعتراف بما حاولت تل أبيب طمسه: أن هناك شعباً يناضل من أجل حقه في الحياة والحرية، وأن ثمن هذا الاعتراف هو دماء الشهداء التي كتبت معادلة جديدة لا يستطيع الغرب القفز عنها.

ويقول المحللون أن اعترافات بريطانيا وأستراليا وكندا بدولة فلسطين جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، إذ تزامنت مع دخول حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عامها الثالث، لتكشف عن تحوّل نوعي في الموقف الغربي من القضية الفلسطينية. هذا التحوّل لم يعد يُقرأ ضمن نزاع سياسي تقليدي، بل في سياق مأساة إنسانية وضعت العواصم الغربية أمام اختبار أخلاقي ضاغط، دفعها اضطرارًا إلى إعادة التموضع.

ويرون أن الاعترافات لم تكن معزولة عن مشهد المقاومة والصمود في غزة، الذي فرض نفسه على الرأي العام الدولي، وجعل كلفة الصمت الغربي مرتفعة سياسياً وشعبياً. المظاهرات والاحتجاجات في الجامعات والنقابات والمنظمات الحقوقية الغربية شكّلت عامل ضغط مباشر، لتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى تعديل خطابها الرسمي، واختيار الاعتراف بدولة فلسطين كخطوة لامتصاص الغضب الشعبي، وإن كان في جوهره إقرارًا بأن غزة أعادت فتح الملف الفلسطيني بقوة.

أما رمزية الدول الثلاث فتعكس دلالات متراكمة: بريطانيا، صاحبة وعد بلفور والانتداب على فلسطين، تبدو وكأنها تعلن متأخراً تصحيح جزء من إرث تاريخي ثقيل. أستراليا، البعيدة جغرافياً، تؤكد أن صدى المجازر تجاوز حدود المنطقة ليصل إلى أقاصي الأرض. بينما كندا، الحليف الأقرب للولايات المتحدة، توجّه بإقرارها رسالة واضحة مفادها أن حتى الدائرة الأشد التصاقاً بواشنطن لم تعد قادرة على مجاراة إسرائيل بالخطاب ذاته.

ويؤكدون أن هذه الاعترافات كسراً لجدار الصمت الغربي، أو على الأقل بداية تصدّعه. فقد اعتادت تل أبيب أن تحظى بدعم أوتوماتيكي من العواصم الغربية، لكن الخطوة الأخيرة تكشف عن ميلٍ متزايد لعزل إسرائيل سياسياً، وتقليص حصانتها التقليدية أمام القانون الدولي.

تنافس الدولي

ويكتسب التوقيت مغزاه مع التحضيرات الجارية لعقد قمم دولية تبحث في مستقبل "حل الدولتين"، من بينها لقاءات برعاية فرنسية–سعودية في نيويورك، مقابل تحركات أميركية يقودها ترامب لاستعادة زمام المبادرة. هذا التنافس الدولي يعكس أن فلسطين لم تعد ملفاً يمكن تجاوزه أو تهميشه، بل تحولت إلى مفتاح لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط بعد حرب غزة.

وفي جوهر الرسالة الموجهة لإسرائيل، تؤكد الاعترافات الثلاثة أن استمرار الاحتلال والاستيطان والإبادة لم يعد بلا ثمن، وأن زمن "الشيك على بياض" الغربي قد انتهى أو بات يتراجع تدريجياً. ورغم أن هذه الخطوة لا تعني تراجعاً عملياً فورياً من جانب تل أبيب، إلا أنها ترسم حدوداً جديدة للعلاقة مع حلفائها التقليديين، وتضعها أمام عزلة سياسية غير مسبوقة.

في مواجهة موجة الاعترافات الغربية، بدت آلة الدعاية الإسرائيلية متعثّرة، وارتباك حكومة نتنياهو صار علامة واضحة على فشل استراتيجية الرهان على الحصانة الدولية. لم تكن هذه التحركات مجرد "رد فعل سياسي"؛ بل هي كشف لوجوه السلطة الإسرائيلية الحقيقية: قيادة تمارس الاستقواء، وتتعالى على القانون الدولي، وتستثمر في القتل لتصفية مشروعٍ سياسي.

ويجزم أصحاب الرأي والاختصاص ان نتنياهو وحكومته يقفون اليوم عُراة أمام التاريخ؛ تصريحاتهم المتعالية برفض الدولة الفلسطينية، واستمرار بناء المستوطنات، والدعوات إلى ضمّ الضفة ونسف السلطة، لم تعد تُمكّنهم من تبييض صورة ما جرى في غزة. ذلك الخطاب الذي اعتاد أن يصوِّر الضحية كمعتدي، والاحتلال كداعم للأمن، انهار أمام صور الأطفال والنساء والشوارع الممزقة — فبدلاً من الدفاع عن شرعية، تكشّف الوجع: إسرائيل فقدت القدرة على الحجة الأخلاقية.

ولا يقتصر الأمر على فقدان المبررات الأخلاقية؛ بل إن مَن يراقب أداء اليمين الإسرائيلي يرى سياسات مصمّمة لإلغاء أي أفق سياسي للحل: تصعيد عسكري ممنهج، تشريع للاستيطان، وسياسات تهجير مترسخة. هذه ليست "أخطاء ميدانية"، بل استراتيجية قائمة على القمع والاحتلال المستمر. عندما تترجم السياسة إلى قتل ممنهج للمدنيين، يصبح الحديث عن "الاستثناء الأمني" مجرد ستار لتبرير الجرائم.

ردود فعل قادة اليمين — من تهديدات بضمّ الضفة إلى دعاوى لسحق السلطة الوطنية — تأتي من موقع ضعف لا من موقع قوة. إنها محاولات يائسة لإغلاق المنافذ السياسية، ولتحويل النقاش من مساءلة المسؤولين عن الجرائم إلى صراعات كلامية داخلية. لكن الاعترافات الغربية جاءت لتقول بوضوح: لا مزيد من التغطية الدولية على الانتهاكات الممنهجة، ولا حصانة للرؤساء والوزراء الذين اختاروا سياسة الإبادة أو تجاهلها.

تراجع وانهيار 

النتيجة العملية لهذا الارتباك واضحة: تراجع مصداقية إسرائيل على الساحة الدولية، تصاعد دعوات المساءلة القانونية، وانهيار بعض أعمدة الدعم السياسي التقليدي. وفي المقابل، تؤكد هذه الاعترافات أن حسابات نتنياهو كانت مبنية على وهم؛ أن استمرار احتلالٍ بلا نهاية وبلا حدود أخلاقية سيحوِّل الحليف إلى خصم، والصلح إلى مطلبٍ لا يُخصم من جدول أعمال المجتمع الدولي.

التحول الغربي نحو الاعتراف بفلسطين لا يتوقف عند حدود الدبلوماسية الرمزية، بل يفتح الباب واسعاً أمام مسارات قانونية طالما أفلتت منها إسرائيل. فإقرار دول كبرى بشرعية الدولة الفلسطينية يمنحها أرضية أقوى للتحرك في المحافل الدولية، سواء أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، ويضع قادة الاحتلال في مواجهة مباشرة مع تهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

كما أن الاعتراف الرسمي يعزز مشروعية الدعوات لفرض عقوبات اقتصادية على المستوطنات، على غرار العقوبات التي فُرضت على روسيا بعد ضمها أراضي أوكرانية. وهذا يضع حكومة نتنياهو أمام خطرٍ متزايد: أن تتحول المقاطعة من حملات شعبية ونقابية إلى سياسات رسمية ملزمة، تكسر احتكار إسرائيل للسردية وتفكك شبكة الامتيازات التي اعتادت الحصول عليها في الأسواق الغربية.

وبذلك، فإن ما بدأ كتحرك سياسي اعتباري قد يتطور إلى محاكمة جنائية دولية لرموز الاحتلال، وتجريم للاستيطان، وتجفيف لمصادر الدعم الاقتصادي، وهو ما يجعل الاعترافات الغربية لا تُربك إسرائيل فقط، بل تُهدد وجودها السياسي على المدى البعيد.

وبحسب المختصين، تجد إسرائيل نفسها اليوم وسط طوقٍ من العزلة الدولية غير المسبوقة. فبعد عقودٍ من الاحتماء بغطاءٍ غربي مطلق، جاءت اعترافات بريطانيا وأستراليا وكندا بالدولة الفلسطينية لتكشف أن هذه الحصانة بدأت تتفكك، وأن الاحتلال لم يعد قادراً على الاحتفاظ بموقعه كـ"شريك شرعي" في النظام الدولي. لم تعد القضية الفلسطينية تُقرأ في العواصم الغربية كصراعٍ على حدود أو نزاعٍ سياسي، بل باتت تُرى باعتبارها قضية عدالة وحقوق إنسان تتجاوز كل حسابات المصالح.

كيان منبوذ ومعزول

هذا التحول الدبلوماسي ألقى بإسرائيل في زاوية ضيقة، بعدما نجحت الشعوب في فرض خطابها على حكوماتها. ففي الجامعات الغربية، وفي الشوارع، وفي النقابات العمالية، تعالت الأصوات المطالبة بقطع العلاقة مع دولة تمارس الإبادة على الهواء مباشرة. ومع هذا الضغط الشعبي المتصاعد، لم يعد ممكناً أمام الحكومات الغربية أن تواصل سياسة الصمت والتواطؤ، فكان الاعتراف بفلسطين بمثابة إعلان واضح أن "الاستثناء الإسرائيلي" يترنح أمام الرأي العام.

أكثر ما يربك تل أبيب أن هذا الاعتراف لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يفتح الباب أمام تحركات قانونية دولية قد تطال قادتها بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية. كما أنه يشرعن حملات المقاطعة الاقتصادية التي كانت تُصنف سابقاً كحملات ضغط أخلاقية، لتتحول الآن إلى خطوات محتملة تتبناها الحكومات، تهدد بقطع شرايين التجارة والاستثمار عن المستوطنات بل وعن الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله.

رد الفعل الإسرائيلي على هذه الموجة لم يكن دليلاً على القوة، بل على الخوف. تصريحات نتنياهو المتوعدة بالضمّ والتوسع، وتهديدات وزرائه للسلطة الفلسطينية، كشفت في جوهرها حالة ذعر من أن العالم لم يعد يشتري رواية "الضحايا الدائمين". إسرائيل التي طالما فرضت شروطها على المجتمع الدولي، باتت ملاحَقة بخطابٍ يطعن في شرعيتها، وتطارَد بقراراتٍ تمهد لتحويلها من "شريك استراتيجي" إلى كيان منبوذ ومعزول.

اخبار ذات صلة