في قلب الجحيم الممتد فوق غزة، تتكشف واحدة من أعقد المعارك وأشدها حساسية: معركة الأمن والاستخبارات. بالأمس، أُعدم عدد من العملاء في مشهد علني بعد عملية نوعية نفّذتها المقاومة أحبطت خلالها محاولة خطف أحد مقاتليها، وهي خطوة جاءت بعد أيام من اعتراف جيش الاحتلال بمقتل ثلاثة من عملائه في اشتباك قرب مستشفى الشفاء. هؤلاء العملاء الذين يستخدمهم الاحتلال كرؤوس حربة ودروع بشرية، هم أداة متقدمة في عمليات القتل والخطف والتسلل، يتخفّون في المجتمع الفلسطيني ليخدموا مخططات عدو لا يعرف سوى الغدر.
تكشف هذه التطورات عن تحوّل خطير في أدوات الاحتلال الصهيوني؛ إذ لم يعد يكتفي بالحرب المباشرة، بل أعاد إنتاج أساليب السيطرة القديمة في قوالب جديدة. مشروع تسليح ميليشيات محلية، مثل ما يُعرف بـ“مجموعة ياسر أبو شباب”، يذكّر بتجربة “معسكر الدهنية” قبل عام 2005، حين كان مركزًا لإدارة العملاء في غزة، ويعيد إلى الأذهان نموذج “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد. الهدف واحد: خلق شرخ داخلي وتحويل الداخل إلى سلاح ضد ذاته، وإرباك الجبهة الشعبية للمقاومة.
المعركة الأمنية في غزة ليست هامشًا على حرب كبرى، بل هي جبهة قائمة بذاتها، يتقاطع فيها الاستخبار والتكنولوجيا والنفس والميدان. فالحصار والعدوان المتكرر دفعا المقاومة إلى بناء منظومة أمنية متقدمة تتسم بالسرية والدقة التقنية، مما أربك حسابات الاحتلال وأفقده القدرة على اختراق البنية الداخلية. ورغم الفارق الهائل في الإمكانات، نجحت المقاومة في تحقيق توازن ردع جزئي يقوم على الإرباك المستمر وتعطيل القدرة الإسرائيلية على الوصول إلى أهدافها.
العمالة، في هذا السياق، ليست مجرد خيانة فردية، بل تهديد بنيوي يمسّ وحدة المجتمع وسيادته. تبدأ في أوقات السلم بجمع المعلومات، وتتصاعد زمن الحرب لتتحول إلى أذرع علنية للعدو، تسهّل التوغّل وتبرّر جرائمه. وهي ظاهرة تتغذى على دوافع النفعية أو الأحقاد أو الضعف النفسي، وتستثمرها أجهزة الاحتلال لتفكيك النسيج الوطني واستغلال أصوات “عملاء مثقفين” لتزييف وعي الجماهير. ولهذا، فإن مواجهتها لا تقتصر على القبضة الأمنية، بل تحتاج إلى استراتيجية مزدوجة: تحصين المجتمع بالوعي والردع، وعزل العملاء دون ظلم أو انتقام أعمى، مع تفكيك الشبكات بمنهجية صبورة ودقيقة.
ومنذ بداية العدوان، استهدف الاحتلال القادة الأمنيين والعسكريين، محاولًا تفكيك أجهزة المعلومات وضرب مراكز المقاومة. لكن غزة ردّت بتقوية منظومتها عبر التمويه، واعتماد الاتصال المشفّر، وتنويع مواقع القيادة، ما جعل استهداف الأفراد أو المقارّ لا يؤدي إلى انهيار البنية الأمنية. في المقابل، اعتمد الاحتلال على أحدث أدوات التجسس السيبراني وشبكات العملاء، لكن المقاومة واجهت ذلك بجهود حثيثة لتعقّب الاختراقات، وبحملات توعية لحماية المجتمع نفسيًا وتقنيًا.
الفضاء الرقمي بات ساحة مواجهة لا تقل خطورة عن ميادين القتال. الاحتلال يحاول زرع تطبيقات تجسسية في الهواتف وحسابات المواطنين، بينما تطوّر الأجهزة الأمنية في غزة أدوات محلية للأمن الرقمي، وتطلق حملات توعية لتعزيز الثقافة الأمنية وتوفير وسائل اتصال مشفّرة تحدّ من قدرات العدو.
ولا تتوقف الحرب عند البعد التقني، فالحرب النفسية تحتل موقعًا مركزيًا. يبث الاحتلال الشائعات ويزرع الإحباط والتشكيك بهدف تفكيك الجبهة الداخلية. لكن المقاومة واجهت ذلك بخطاب تعبوي وكشف علني للعملاء، فارتفعت الثقة الشعبية بالمؤسسات الأمنية، وتعززت مناعة المجتمع ضد الاختراق والإرباك.
ورغم الحصار الخانق وضعف الموارد، أظهرت غزة قدرة استثنائية على التطور الأمني، لتصبح منظومتها حائط صد أمام محاولات الاختراق والتفتيت. فالمعركة الأمنية ليست مجرد تبادل معلومات، بل ساحة مواجهة بين مشروع تحرري يسعى إلى كسر القيد، ومشروع احتلالي استيطاني يستهدف الأرض والهوية. لقد أثبتت غزة أن الثبات ليس خيارًا، بل قدر، وأن تطوير هذه المنظومة الأمنية ضرورة وطنية لحماية ظهر المقاومة، وصون تماسك المجتمع، وتمهيد الطريق نحو التحرير والاستقلال.