ترجمة / شهاب
كشف مقال تحليلي مطوّل نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، للكاتب والباحث المخضرم رونين برجمان عن قائمة سماها "الأكاذيب العشرة التي رُوّجت خلال الحرب على غزة"، مؤكدًا أن المقولة القديمة "الحقيقة هي أول ضحايا الحرب" تنطبق تمامًا على الحرب الأخيرة، التي اتسمت – بحسب تعبيره – بـ"تضليلٍ متعمّدٍ للرأي العام الإسرائيلي من قبل المستويين السياسي والعسكري".
برجمان، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار الأمني في تل أبيب، استعرض في مقاله أبرز المغالطات التي شكّلت وعي الجمهور الإسرائيلي على مدار عامين من الحرب، معتبراً أن إسرائيل خاضت معركة مليئة بالتناقضات بين الأهداف السياسية والعسكرية، وبمنطق إنكاري مكلف.
1. أهداف متناقضة وحرب بلا بوصلة
يبدأ برجمان حديثه من الجذر الأول للأزمة، مؤكداً أن القيادة الإسرائيلية حاولت الجمع بين هدفين متناقضين تمامًا: نزع سلاح حركة حماس وتفكيك بنيتها التحتية من جهة، وإعادة المختطفين من جهة أخرى.
ويقول: "منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حذرنا من أن إسرائيل أمام خيارين لا ثالث لهما؛ صفقة تبادل لإعادة المختطفين، أو حرب شاملة بلا حلٍّ وسط"، لكن القيادة السياسية والعسكرية رفضت الاعتراف بهذه الحقيقة، فغرقت إسرائيل في حرب طويلة دون مخرج واضح.
2. أكذوبة الضغط العسكري
من بين أكثر الادعاءات خطورة – وفق برجمان – كان الاعتقاد بأن الضغط العسكري وحده كفيل بإعادة المختطفين. إلا أن الواقع أثبت العكس، إذ قُتل عدد من المختطفين على أيدي الجيش الإسرائيلي "عن طريق الخطأ"، نتيجة العمليات الميدانية الكثيفة، وهو ما اعترفت به لاحقًا أجهزة الأمن الإسرائيلية نفسها.
3. تحميل حماس المسؤولية عن فشل الصفقة
يرى الكاتب أن الحكومة الإسرائيلية ضللت جمهورها عمدًا بادعاء أن حركة حماس ترفض إبرام صفقة تبادل، بينما الحقيقة – كما يقول – أن "حماس أبدت مرونة في مراحل مختلفة، لكن الحكومة هي التي رفضت الشروط".
ويضيف أن الخطاب الرسمي كان متناقضًا: إذ في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تتهم حماس بالتعنت، كانت تبث رسائل للجمهور مفادها أن الصفقة قريبة جدًا.
الاتفاق الأخير – كما يشير برجمان – يثبت أن إسرائيل قبلت ببعض شروط حماس التي رفضتها سابقًا.
4. نتنياهو واستخدام قضية المختطفين كورقة سياسية
يؤكد برجمان أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يجعل قضية المختطفين أولوية حقيقية، بل استخدمها لتسكين غضب الشارع وامتصاص الضغط الداخلي، بينما كان تركيزه الأساسي منصبًا على "تحقيق نصر سياسي وإخضاع حماس".
5. أسطورة محور فيلادلفيا
من الأكاذيب البارزة – حسب برجمان – الزعم بأن محور فيلادلفيا يُستخدم لتهريب السلاح أو المختطفين.
ويشير إلى أن هذه الرواية استُخدمت كمبرر سياسي لتعطيل المفاوضات، خاصة عندما اقتربت من النجاح، إذ أصر نتنياهو على اعتباره "ممرًا استراتيجيًا خطيرًا"، رغم أن التعاون الأمني المصري الإسرائيلي قضى فعليًا على أنفاق التهريب منذ عام 2017.
نتيجة هذا التعطيل – كما يقول – كانت مقتل ستة مختطفين "بالخطأ" بعد أيام من انهيار المفاوضات.
6. أوهام النصر عبر الاغتيالات
سخر برجمان من المقولة التي روجتها القيادة العسكرية بأن اغتيال قادة حماس سيؤدي إلى انهيارها واستسلامها، مشيرًا إلى أن إسرائيل اغتالت قادة بارزين بينهم يحيى السنوار، محمد السنوار، صالح العاروري، وإسماعيل هنية، لكن ذلك لم يدفع الحركة إلى التراجع أو التنازل، بل زادها تمسكًا بشروطها.
7. احتلال المدن... الطريق المسدود
كرر الجيش الإسرائيلي – كما يوضح برجمان – سيناريو احتلال المدن أكثر من مرة على أمل أن يؤدي إلى استسلام حماس، لكن النتائج كانت عكسية، إذ تبين أن السيطرة الميدانية لا تعني القضاء على البنية العسكرية أو الأيديولوجية للحركة.
8. التشكيك بجدوى المفاوضات
من الأكاذيب الأخرى، ادعاء أن حماس لن توافق أبدًا على إعادة المختطفين، وهو ما خالف توصيات قادة الأجهزة الأمنية الذين أكدوا أن حماس التزمت سابقًا بجميع الاتفاقات التي أبرمتها.
كما أن الصفقة الأخيرة أثبتت – برأي برجمان – أن التفاوض مع حماس ممكن ومثمر، متى توفرت الإرادة السياسية لذلك.
9. الاحتجاجات ليست سبباً لتصلّب حماس
فند الكاتب أيضًا الادعاء بأن الاحتجاجات الشعبية داخل إسرائيل تشجع حماس على رفع ثمن الصفقة.
ونقل عن أحد ضباط الاستخبارات قوله إن "نصف المختطفين لم يسمعوا أصلاً عن هذه الاحتجاجات"، وأن شروط حماس بقيت تقريبًا على حالها منذ بداية الحرب، ما يعني أن تأثير الشارع الإسرائيلي كان محدودًا.
10. الأكذوبة الكبرى: من الذي انتصر؟
في ختام مقاله، وصف برجمان التصريحات التي أطلقها نتنياهو بعد صفقة التبادل الأخيرة بأنها "تضليلية"، إذ قال إن الاتفاق سيسمح بنزع سلاح حماس، بينما لم يتضمن الاتفاق أي بند يشير إلى ذلك.
ويخلص الكاتب إلى أن كلا الطرفين حاول الادعاء بالنصر، لكن الحقيقة أن لا أحد انتصر؛ فالاتفاق لم يكن سوى تسوية اضطرارية قدّم فيها كل طرف تنازلات مؤلمة.