قائمة الموقع

هدوء ميداني مضلل.. كيف يستخدم نتنياهو خروقات الهدنة بغزة للبقاء في الحكم؟

2025-10-19T16:29:00+03:00
هدوء ميداني مضلل.. كيف يستخدم نتنياهو خروقات الهدنة بغزة للبقاء في الحكم؟
وكالة شهاب

تقرير – شهاب

رغم إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل أسابيع، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ اعتداءات متكرّرة أسفرت عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى، في وقت تؤكد فيه مصادر فلسطينية أن هذه الخروقات تأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة لإدامة الحصار والضغط على المدنيين.

وعلى إثر ذلك، يظلّ سكان غزة يعيشون تحت القصف والخوف والحرمان، فيما تستمر حكومة الاحتلال الإسرائيلي بتقديم مبرّرات لا تصمد أمام الوقائع الميدانية.

وشهدت الساعات الماضية تصعيدًا جديدًا تمثّل في استهداف سيارة لعائلة أبو شعبان في مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد 11 فلسطينيًا معظمهم من النساء والأطفال، كما قصفت طائرة مسيّرة مجموعة من المواطنين غرب بلدة الزوايدة وسط القطاع، مما أسفر عن استشهاد خمسة فلسطينيين، إضافة إلى قصف آخر بمخيم النصيرات خلّف عددًا من الشهداء والمصابين.

ووفقًا لبيانات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد سجّلت أكثر من 47 خرقًا لوقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر الجاري، أسفرت عن استشهاد 38 مدنيًا وإصابة أكثر من 140 آخرين، إلى جانب تدمير منازل ومرافق خدمية.

ويرى محلّلون أن وقف إطلاق النار الحالي أشبه بـ"هدنة هشة" لا تتوفر لها ضمانات حقيقية، ومع غياب موقف دولي حازم، ومع مصلحة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستمرار في الحرب، خاصة في ظل استمرار الحصار المفروض على القطاع ومنع دخول المساعدات بشكل منتظم.

 

حجج وذرائع واهية

وفي وقت سابق اليوم، أعلن جيش الاحتلال صباح اليوم، عن قتلى وجرحى في صفوف جنوده، بانفجار في مدينة رفح، فيما أكدت كتائب الشهيد عز الدين القسّام، على التزامها الكامل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وفي مقدمته وقف إطلاق النار في جميع مناطق قطاع غزة، مشددة على أنها لا تملك معلومات عن أي أحداث أو اشتباكات في جنوب قطاع غزة.

وقالت، في بيانها، أن رفح تُعد "مناطق حمراء تقع تحت سيطرة الاحتلال"، وأن الاتصال مقطوع بما تبقى من مجموعات للكتائب هناك منذ "عودة الحرب في مارس من العام الجاري".

وأضافت أنه ليست لديها معلومات حول ما إذا كان المجاهدون قد استشهدوا أم لا يزالون على قيد الحياة منذ ذلك التاريخ.

وتابعت "عليه فلا علاقة لنا بأية أحداث تقع في تلك المناطق ولا يمكننا التواصل مع أي من مجاهدينا هناك إن كان لا يزال أحد منهم على قيد الحياة".

كما أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عزت الرشق التزام الحركة باتفاق وقف إطلاق النار، مشددًا على أن الاحتلال الصهيوني هو من يواصل خرق الاتفاق واختلاق الذرائع الواهية لتبرير جرائمه.

وأوضح الرشق أن محاولات نتنياهو التنصل والتنكر من التزاماته تأتي تحت ضغط ائتلافه الإرهابي المتطرف، في محاولة للهروب من مسؤولياته أمام الوسطاء والضامنين.

ومن جانبه، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب منذ الإعلان عن انتهاء الحرب على قطاع غزة سلسلة من الخروقات الخطِرة والمتكررة، بلغت 47 خرقا موثقا.

وأوضح المكتب الإعلامي، في بيان، أن هذه الخروقات تنوعت بين جرائم إطلاق النار المباشر على المواطنين، وجرائم القصف والاستهداف المتعمّد، واعتقال عدد من المدنيين، في ممارسات "تعكس استمرار النهج العدواني للاحتلال رغم إعلان وقف الحرب".

وأشار البيان إلى أن هذه الاعتداءات نفذها الاحتلال باستخدام الآليات العسكرية المتمركزة على أطراف الأحياء السكنية، والرافعات الإلكترونية المزودة بأجهزة استشعار واستهداف من بُعد، إضافة إلى الطائرات المسيّرة (الكواد كابتر) التي تواصل التحليق فوق المناطق السكنية، وتنفذ عمليات إطلاق نار واستهداف مباشر للمدنيين.

 

لمصلحة نتنياهو

ومن جهته، قال المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، إن لنتنياهو وحكومته مصلحة كبيرة في خرق وقف إطلاق النار في غزة والمراوغة، وحتى إفشال المرحلة الأولى وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية، لأسباب شخصية وسياسية.

وأوضح شديد، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن وقف الحرب يعني زيادة الأصوات داخل "إسرائيل" المطالِبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وسيكون نتنياهو أول من يُحقق معه، مشيرًا إلى أن هناك انتخابات داخل "حزب الليكود" في نهاية الشهر القادم، ومصلحة نتنياهو أن تُجرى الانتخابات في ظل التصعيد والمواجهة، حتى لا يترشح أحد ضده، على قاعدة أنه الوحيد القادر على قيادة الحزب و"إسرائيل" في الحروب.

وأضاف، أن جماعات الضغط في "إسرائيل" التي كانت تطالب بوقف الحرب وإعادة الأسرى قد تراجعت، لافتًا إلى أن هناك نقاشًا داخل "إسرائيل" حول أن الجيش قتل ودمر في غزة، لكنه فشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة من قبل نتنياهو، والمتمثلة في التهجير والقضاء على المقاومة.

وبيّن شديد، أن هذا النقاش من شأنه إحراج نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، ودفعهم إلى العودة لاستئناف الحرب، مشددًا على أن جميع هذه المعطيات تدعم فرضية استمرار الحرب وليس الهدوء.

وشدد بالقول، إن السؤال الأهم يبقى عند الإدارة الأمريكية، وهل هي معنية فعلًا بوقف إطلاق النار والانتقال إلى جميع المراحل، وهو ما ستجيب عليه الأيام القادمة مع اتضاح الصورة أكثر.

 

سيناريوهات المرحلة المقبلة

أما الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، قال إن المنطقة تعيش اليوم حالة من الجمود الحذر بين الحرب والسلام، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء الحرب في غزة، موضحًا أن هذا الإعلان لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل يشير إلى مرحلة سياسية انتقالية تحاول فيها الأطراف إدارة التوازنات الدقيقة بين الضغوط الداخلية والمصالح الإقليمية والدولية.

وبيّن القرا أن إعلان ترامب عن "نهاية الحرب" لم يكن تصريحًا عابرًا، بل يمثل تعهدًا سياسيًا ملزمًا للولايات المتحدة، يجعل أي عودة للقتال بمثابة فشل مباشر لإدارته وسياستها في المنطقة.

وأضاف أن واشنطن تمارس ضغوطًا مزدوجة؛ فهي تضغط على حركة حماس لضبط الميدان ومنع أي تصعيد، وفي الوقت ذاته تضغط على إسرائيل لتجنّب تفجير الأوضاع أو القيام بخطوات عسكرية تُحرج الإدارة الأمريكية وتنسف مسار التهدئة.

وأوضح القرا أن الإدارة الأمريكية تُدرك تعقيدات الملفات العالقة، خصوصًا ملف الأسرى والجثامين، ولذلك تسعى لإدارة المرحلة الراهنة دون السماح بانفجار يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

وفي الشأن الإسرائيلي، أشار القرا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يسعى إلى إبقاء أجواء الحرب دون خوضها فعليًا، مستثمرًا حالة "اللاحرب" لإدارة التناقضات داخل الكبان الإسرائيلي.

فمن جهة، يواجه نتنياهو ضغطًا متزايدًا من اليمين المتطرف الذي يطالبه باستئناف الحرب وتحقيق "الحسم الكامل"، ومن جهة أخرى يواجه غضب عائلات الأسرى الإسرائيليين الذين يرون أن أي تصعيد جديد سيقضي على فرص استعادة أبنائهم.

وأكد القرا أن نتنياهو يعتمد سياسة "التصعيد المحدود والمحسوب" عبر عمليات اغتيال أو ضربات جوية موضعية، في محاولة لإرضاء اليمين دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خيوط التفاهم مع واشنطن.

وفي المقابل، يرى القرا أن المقاومة الفلسطينية تُدير المرحلة الحالية بقدر عالٍ من الواقعية السياسية، إذ تلتزم ببنود الاتفاق الميداني دون تفريط، وتسعى لاستثمار الهدوء النسبي لتمديد فترة "اللاحرب" تمهيدًا للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية إعادة الإعمار.

وأوضح أن المقاومة تُوازن بين التمسك بالثوابت السياسية واتباع المرونة التكتيكية التي تتيح لها كسب الوقت وتوسيع هامش المناورة، مؤكّدًا أن أي تصعيد غير محسوب سيمنح الاحتلال مبررًا للعودة إلى الحرب.

كما قال المحلل السياسي إن الأنظار تتجه في هذه المرحلة إلى ما يمكن وصفه بالمرحلة الثانية من التسوية والتي ستشكل الاختبار الحقيقي للأطراف كافة، موضحا أن هذه المرحلة ستتناول الملفات الكبرى التي تم تأجيلها خلال التهدئة الراهنة وفي مقدمتها قضية سلاح المقاومة ومستقبل قدراتها الدفاعية وما إذا كانت إسرائيل ستواصل الضغط لتقليصها أو إخضاعها لترتيبات أمنية جديدة تحت إشراف دولي.

وأوضح القرا أن ملف إعادة الإعمار يأتي في صدارة القضايا المعقدة إذ تسعى المقاومة إلى ضمان وصول المساعدات وإعادة بناء ما دمرته الحرب بعيدا عن التحكم الإسرائيلي أو ربط العملية بشروط سياسية أو أمنية كما تحاول الأطراف الإقليمية إيجاد آليات تضمن تدفق التمويل بشكل آمن وشفاف دون أن يخضع للابتزاز السياسي

وأضاف القرا أن هناك أيضا بعدا سياسيا وأمنيا لا يقل أهمية يتمثل في ضرورة إيجاد ضمانات حقيقية تكفل استقرار التهدئة وتمنع العودة إلى المواجهة مبينا أن النقاش يدور حاليا حول طبيعة هذه الضمانات ومن هي الجهات التي ستشرف على تنفيذها سواء كانت أطرافا عربية أو دولية.

وأشار إلى أن هذه الملفات الشائكة لن تُحسم بسرعة نظرا لتداخل المصالح الإقليمية والدولية وتضارب الرؤى بشأن مستقبل قطاع غزة بعد الحرب لافتا إلى أن المفاوضات حولها قد تمتد لأشهر وربما أكثر في ظل غياب رؤية واضحة أو اتفاق سياسي شامل يحدد ملامح المرحلة المقبلة

ولفت إلى أن المشهد الراهن يعكس حالة “لاحرب” دقيقة ومحسوبة، فهي ليست حربًا شاملة تنذر بانفجار جديد، ولا سلامًا مستقرًا ينهي جذور الصراع، بل مرحلة وسطى تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المعادلات الميدانية، وتُدار فيها الأوراق بحذر شديد من جميع الأطراف التي تحاول الحفاظ على مكاسبها دون أن تدفع ثمنًا إضافيًا.

وأوضح القرا أن الولايات المتحدة تسعى في هذه المرحلة إلى تكريس نفسها كـ"وسيط ضامن" للاستقرار من خلال إدارة خطوط الاتصال بين الأطراف ومنع أي انهيار ميداني قد يُفقدها السيطرة على المشهد، في حين يواصل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المناورة داخليًا للبقاء في السلطة وسط عواصف سياسية وحزبية متصاعدة، محاولًا استثمار حالة اللاحرب لتثبيت صورته كقائد أمني قوي دون المخاطرة بمواجهة جديدة قد تُفجّر أزماته الداخلية.

وأضاف القرا أن المقاومة الفلسطينية تتعامل مع المرحلة بقدر كبير من الوعي والبراغماتية، إذ تعمل على تعزيز موقعها الميداني والسياسي وإعادة بناء قوتها وترتيب صفوفها استعدادًا لأي جولة تفاوض أو مواجهة قادمة، مستفيدة من الهدوء النسبي لتثبيت قواعد اشتباك جديدة تضمن لها دورًا فاعلًا في أي تسوية مستقبلية.

وأشار إلى أن هذا الواقع يعبر في جوهره عن حرب مؤجلة، فالصراع لم ينتهِ فعليًا وإنما تبدلت أشكاله ليأخذ طابعًا سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا بدل المواجهة العسكرية المباشرة، في انتظار لحظة الحسم التي ستحدد ملامح الحل الشامل وتجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل غزة والعلاقة بين الاحتلال والمقاومة والمنطقة بأسرها.

وتوصلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والاحتلال الإسرائيلي في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى اتفاق عبر الوسطاء لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، استنادا لخطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي اليوم التالي دخلت المرحلة الأولى من الاتفاق حيز التنفيذ.

وتضمنت هذه المرحلة إعلان انتهاء الحرب، وانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي إلى ما سُمي "الخط الأصفر"، وإعادة الأسرى الإسرائيليين الأحياء والقتلى، وإطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين.

اخبار ذات صلة