قائمة الموقع

خيوط الجريمة كاملة في قتل الطفلة هند رجب.. وثائق وأدلة تكشف القتلة

2025-10-21T09:21:00+03:00

لم تكن كلمات الطفلة الفلسطينية هند رجب — "الدبابة جنبي" — مجرد نداء استغاثة، بل كانت شهادة أخيرة وثّقت واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها قطاع غزة خلال حرب الإبادة في يناير/كانون الثاني 2024.
وبعد أشهر من الصمت، أعاد تحقيق برنامج "ما خفي أعظم" فتح ملف الجريمة، كاشفًا بالأسماء والصور هوية ضباط وجنود وحدة "مصاصي الدماء" في جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذين نفذوا عملية قتل هند وعائلتها والمسعفين الذين حاولوا إنقاذهم.

من داخل مؤسسة هند رجب في بروكسل، التي أُنشئت تخليدًا لاسم الشهيدة الصغيرة، بدأ الفريق الصحفي تتبع الأدلة التي تحوّلت إلى كابوس يلاحق الجنود الإسرائيليين المتورطين في الجريمة، بحسب ما أورد موقع الجزيرة نت.

التحقيق تضمن وثائق حصرية حصل عليها البرنامج، تؤكد أن سرية “إمبراطورية مصاصي الدماء” التابعة للكتيبة 52 في اللواء 401 بقيادة الضابط بني أهارون، هي التي نفذت عملية القتل.

أوامر بالقتل 


وبحسب الوثائق، فإن قائد السرية الضابط شون غلاس أصدر أوامر مباشرة من داخل دبابته بإطلاق النار على سيارة العائلة، مما أدى إلى مقتل هند وأمها وأفراد أسرتها، ثم المسعفين الذين حاولوا الوصول إليهم.

كما كشفت الوثائق أن بين المنفذين جنودًا يحملون جنسيات أجنبية، منهم إيتاي شوكيركوف (أرجنتيني) وشيمون زوكرمان (ألماني)، والأخير رفعت مؤسسة هند رجب دعوى قضائية ضده أمام المحاكم الأوروبية، في خطوة تهدف إلى ملاحقة المتورطين دوليًا.

وبالتعاون مع مختبر "فورنزك أركيتكتشر" في جامعة غولدسميث البريطانية، أعاد فريق التحقيق بناء مسرح الجريمة بدقة لحظة بلحظة، عبر صور الأقمار الصناعية وتحليل الصوت والموقع، ليتبيّن أن سيارة العائلة الفلسطينية اخترقت بـ335 طلقة نارية مصدرها دبابة إسرائيلية متمركزة على مسافة لا تتجاوز 23 مترًا فقط.

أما تحليل اتجاه النيران ومعدل إطلاقها الذي بلغ 900 طلقة في الثانية، فقد أكد زيف الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن "اشتباك مسلح"، إذ لم تُطلق أي رصاصة من الجهة المقابلة. كانت العائلة وحدها أمام فوهة دبابة.

ويشير التحقيق إلى أن قائمة جديدة مسربة تضم أكثر من 30 ألف اسم من سلاح الجو الإسرائيلي شاركوا في حرب غزة، بينهم جنود ارتبطت أسماؤهم بمجازر ضد المدنيين.

تقول مصادر قانونية في بروكسل إن هذه الوثائق يمكن أن تمثل سابقة في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، خصوصًا أن الأدلة الموثقة بالصوت والصورة تثبت نية القتل العمد بحق مدنيين، بينهم طفلة كانت آخر كلماتها دليل إدانة دامغًا.

وتعود قصة هند رجب إلى أواخر يناير/كانون الثاني 2024، حين تحوّلت مكالمة هاتفية قصيرة بين طفلة  (6 سنوات) وذويها في غزة إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية وجعًا وتأثيرًا في حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع.

بدأت القصة عندما حاولت عائلة هند النزوح من شرق غزة باتجاه مناطق أكثر أمانًا، استجابة لنداءات الجيش الإسرائيلي بإخلاء المنطقة. كانت السيارة تقلّ عددًا من أفراد العائلة، قبل أن تتعرض لإطلاق نار مباشر من دبابة إسرائيلية، أدى إلى مقتل جميع الركاب باستثناء الطفلة الصغيرة، التي بقيت حيّة بين الجثث لساعات طويلة.

"ماما، الدبابة جنبي"

في تلك اللحظات، تمكّنت هند من الاتصال بذويها عبر الهاتف بصوتٍ مرتجف تطلب النجدة وتقول جملتها التي هزّت الضمير العالمي: "ماما، الدبابة جنبي."
حاولت العائلة التواصل مع الهلال الأحمر الفلسطيني الذي أرسل طاقم إسعاف لإنقاذها، لكن الطاقم نفسه تعرّض للاستهداف في الموقع ذاته، ما أدى إلى مقتل المسعفين مع الطفلة.

لاحقًا، وبعد أيام من البحث تحت النار، عُثر على السيارة محروقة بالكامل وجثث العائلة والمسعفين متفحمة، في مشهد وثّق حجم العنف الذي طال المدنيين العُزّل، وخصوصًا الأطفال.

انتشرت تسجيلات المكالمة الصوتية على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الدولية، لتصبح رمزًا عالميًا لبراءة الطفولة المهدّدة بالموت في غزة، وتحوّلت هند إلى أيقونة إنسانية استُحضرت في بيانات الأمم المتحدة، ومداولات مجلس حقوق الإنسان، ومسيرات التضامن حول العالم.

أُطلقت حملات تضامن تحت وسم #أنقذوا_هند ثم #كلنا_هند_رجب، وعلّقت صورها في شوارع باريس ولندن ونيويورك. وبعد أشهر، أُنشئت في العاصمة البلجيكية بروكسل "مؤسسة هند رجب" لتوثيق جرائم الحرب بحق الأطفال الفلسطينيين، وجمع الأدلة لملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الأوروبية والدولية.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام  ونصف على الجريمة، ما تزال قصة هند رجب تمثل وثيقة حيّة على استهداف الطفولة الفلسطينية، وتجسّد بوضوح التناقض الفاضح بين سردية “التحذير والإخلاء” الإسرائيلية، وحقيقة القتل الممنهج الذي طال عائلة كاملة كانت تحاول النجاة.

أثارت الحادثة ردود فعل شديدة في كافة أنحاء العالم. وذلك بعد نشر الهلال الأحمر الفلسطيني تسجيلات صوتية لمكالمة هند، حيث وثقت المكالمة لحظات رعب الطفلة وأصوات إطلاق الرصاص، وناشد المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل للسماح بطواقمه للوصول إليها.

أثار اكتشاف جسد الطفلة بعد 12 يومًا ردود فعل شديدة لدى مناصري القضية الفلسطينية الذين انتقدوا الإعلام الغربي نتيجة عدم تغطيته الحادثة مقارنةً مع تغطياته لحوادث قتل الأطفال في الحرب الروسية الأوكرانية.

علقت أم الطفلة على الحادثة في لقاء صحفي منتقدة إسرائيل بشدة: "أكمن أُم بتستنو تحس بهاد الوجع؟ أكمن طفل بدكم تقتلوا بعد؟". القى الصليب الأحمر اللوم على إسرائيل وحملها مسؤولية مقتل الطفلة هند، ووجه لها أصابع الإتهام فيما يتعلق باستهداف طاقم الإنقاذ عمدًا.

في أبريل 2024، وضمن حملة الإحتجاجات في الجامعات الأمريكية ضد حرب الابادة الاسرائيلية على قطاع غزة، اقتحم متظاهرون وطلاب في جامعة كولومبيا في نيويورك إحدى القاعات بإسم "هاملتون هول"، وهو مبنى ذي أهمية تاريخية فيما يتعلق بالتظاهرات.

سيطر المتظاهرون على المبنى وأطلقوا على القاعة الإسم الجديد "قاعه هند" تخليدًا لذكرى الطفلة.، تكرر المشهد كذلك في جامعة "Head-Royce School".

في ايار/مايو 2024، أطلق الرابر الأمريكي "ماكليمور" أغنية "قاعة هند" الإحتجاجية، تخليدًا لذكرى هند ومنتقدًا كثيرًا من السياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل.

في عام 2025، عرض فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية لأول مرة عالميًا في المسابقة الرئيسية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي الثاني والثمانين.

اخبار ذات صلة