تقرير خاص / شهاب
يدخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة منعطفًا بالغ الخطورة، بعدما تجاوزت خروقاته حدود "التنبيهات الميدانية" إلى سياسةٍ إسرائيليةٍ ممنهجة تهدف إلى تقويض الاتفاق من أساسه، وإعادة إنتاج واقعٍ من الفوضى والسيطرة العسكرية الجزئية على الأرض. وبينما تتحدث الأطراف الضامنة عن التزامٍ متبادلٍ ببنود الهدنة، تكشف الوقائع اليومية عن سلسلة انتهاكات متواصلة تُهدد بانهيار ما تبقّى من روح الاتفاق وتفتح الباب أمام جولةٍ جديدةٍ من التصعيد.
رصدت الجهات الحكومية في غزة أكثر من 114 خرقًا إسرائيليًا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أسفرت عن استشهاد 109 مدنيين وإصابة 324 آخرين، في وقتٍ وصف فيه مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة تلك الخروقات بأنها "محاولة متعمّدة لنسف الاتفاق وإعادة عقارب الساعة إلى المربع الأول".
في متاهات الحرب
وقال الثوابتة إن جيش الاحتلال نفّذ منذ بدء الهدنة 51 عملية إطلاق نار استهدفت المدنيين بشكل مباشر، و9 عمليات توغّل داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى 52 عملية قصف واستهداف، و3 عمليات نسف لمبانٍ مدنية، فضلاً عن اعتقال 21 مواطنًا في مناطق مختلفة من القطاع.
وأكد أن استمرار هذه الانتهاكات يشكّل تهديدًا واضحًا بعودة التصعيد، محملًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التداعيات الإنسانية والأمنية المترتبة عليها، وداعيًا الوسطاء والدول الضامنة – وفي مقدمتهم الولايات المتحدة – إلى تحمّل مسؤولياتهم في الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها وفتح المعابر بشكل كامل لضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
تزامن الاتهام الإسرائيلي لحركة حماس بتأخير تسليم جثامين الجنود الأسرى مع تصاعد الخروقات الميدانية في غزة، في خطوة يراها محللون محاولة واضحة لتحميل الحركة مسؤولية مأزق سياسي تعيشه حكومة بنيامين نتنياهو، أكثر من كونها تعبيرًا عن خلاف فعلي حول تفاصيل الاتفاق.
يرى المحلل السياسي عادل ياسين أن هذه الاتهامات تعبّر عن رغبة جامحة لدى حكومة نتنياهو في تجديد العدوان على غزة باعتباره "الوصفة الوحيدة القادرة على توحيد الداخل الإسرائيلي الممزق سياسيًا، وإشغال الشارع في متاهات الحرب بدلًا من التركيز على أزماته الداخلية".
ويشير ياسين إلى أن "نتنياهو يحاول من خلال هذا الخطاب تهيئة الرأي العام لمرحلة تصعيد جديدة، بعد أن فشل في إقناع المعارضة والجيش بجدوى استمرار الهدنة، وفي الوقت نفسه يريد التهرب من المسؤولية عن تعطّل مفاوضات المراحل اللاحقة من الاتفاق التي رفض مرارًا التوقيع عليها".
أما المحلل السياسي ياسر أبو هين، فيرى أن اتهام إسرائيل لحماس هو في جوهره جزء من معركة إدارة الأزمة، إذ تحاول تل أبيب تصوير المقاومة على أنها الطرف المعرقل من أجل كسب وقت إضافي لتكريس واقع ميداني جديد في القطاع.
ويقول أبو هين إن الحكومة الإسرائيلية "تتعمد خلط المسارات الإنسانية والسياسية والأمنية لتبرير استمرار وجودها العسكري في بعض مناطق القطاع"، مضيفًا أن ذلك يتقاطع مع ما وصفه بـ"الضغط الأميركي الموجَّه" الذي يسعى إلى تقليص الخط الأصفر وربط أي انسحاب إسرائيلي بالأداء الميداني.
من جانبه، يربط الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة هذه الاتهامات بمسار أوسع من "المماطلة السياسية" التي تتبناها إسرائيل منذ توقيع الاتفاق، موضحًا أن الاحتلال يستخدم الملف الإنساني – بما في ذلك قضية الجثامين – كورقة ابتزاز لفرض شروط أمنية جديدة، وأنه "يحاول تعويم الهدنة وتحويلها إلى حالة من اللاسلم واللاحرب، تمهيدًا لإدارة الأزمة بدلًا من حلها".
ويشير عفيفة إلى أن "استمرار هذا النهج قد يقود إلى ترسيخ التقسيم المؤقت للقطاع، وتقويض فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة".
وبينما تواصل إسرائيل التنصل من استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، يرى المحللون الثلاثة أن الهدف النهائي من الاتهامات الإسرائيلية هو كسب الوقت وإعادة توجيه الرأي العام الداخلي نحو خطر خارجي مصطنع، لتفادي المحاسبة السياسية والجنائية التي تلاحق نتنياهو في الداخل.
في الوقت الذي تتمسك فيه حكومة نتنياهو بخطابها القائل إن "الضغط العسكري هو السبيل الوحيد لإخضاع حركة حماس"، يرى المحللون أن هذه السياسة لم تحقق سوى مزيد من الدمار والتعقيد في المشهدين الميداني والسياسي، وأن نتائجها انعكست سلبًا على فرص تثبيت الهدنة واستكمال مراحل الاتفاق.
يؤكد عادل ياسين أن تبني إسرائيل لسياسة القوة المفرطة في غزة أدى إلى دمار شامل وتغيّر عميق في معالم القطاع، مشيرًا إلى أن "نتنياهو يواصل استخدام السلاح كورقة تفاوض داخلية أكثر منها أداة عسكرية ضد المقاومة".
ويضيف أن "نتنياهو كان بإمكانه تقليص عدد المختطفين القتلى وإعادة جثثهم لو أنه استجاب لتوصيات أجهزته الأمنية التي دعت إلى إبرام صفقة تبادل وإنهاء الحرب منذ شهور، لكنه اختار التصعيد حفاظًا على تماسك ائتلافه اليميني المتطرف".
أما ياسر أبو هين فيربط بين استمرار العدوان وسياسة "إدارة الأزمة" التي تمارسها تل أبيب، موضحًا أن كل عملية تصعيد جزئية تُستخدم كوسيلة ضغط لتحسين موقع إسرائيل التفاوضي.
ويقول إن "إسرائيل تدرك أن تحقيق حسم عسكري في غزة مستحيل، لذلك تلجأ إلى سياسة إطالة أمد الهدنة المتوترة لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، مثل مناطق عازلة وإشراف أمني مشترك، بما يضمن بقاء السيطرة الإسرائيلية دون إعلان احتلال مباشر".
ومن جانبه، يوضح وسام عفيفة أن الضغط العسكري لا يخدم حتى الأهداف الإسرائيلية على المدى الطويل، إذ "يؤدي إلى تأجيل الانفجار لا منعه"، مشيرًا إلى أن "الواقع الإنساني الكارثي الناتج عن هذه السياسة يولّد بيئة خصبة لتصاعد المقاومة بدلًا من تراجعها".
ويحذّر من أن "استمرار هذا النهج سيكرّس الانقسام الفلسطيني ويُبقي غزة في حالة شلل سياسي واقتصادي، ما يضعف فرص أي تسوية مستقبلية".
ويجمع المحللون الثلاثة على أن نتنياهو يستخدم الضغط العسكري كأداة سياسية داخلية للهروب من أزماته القضائية والسياسية، في حين يدفع المدنيون في غزة الثمن الأكبر من هذه الاستراتيجية، التي تُبقي الهدنة معلّقة بين واقعٍ ميدانيٍ هشّ وحساباتٍ سياسيةٍ متقلبة.
بين تمديد هشّ للهدنة وانفجارٍ محتمل
بين تمديدٍ هشّ للهدنة وانفجارٍ محتمل للأوضاع، يتجه المشهد في غزة نحو مستقبل غامض تتنازع ملامحه ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تتباين في درجة واقعيتها لكنها جميعًا تنطلق من حقيقة واحدة: أن الاتفاق يعيش على حافة الانهيار.
يرى وسام عفيفة أن المشهد الراهن في القطاع يعكس تحوّل الصراع من بعده العسكري إلى صراع إرادات سياسية، تدور حول شكل "اليوم التالي" للحرب، مؤكدًا أن "تعدد الأجندات الإقليمية والدولية يجعل الهدنة رهينة صفقات متقاطعة".
ويشرح أن السيناريو الأول يتمثل في "إدارة الأزمة والمماطلة"، حيث يستمر وقف إطلاق النار شكليًا دون تنفيذ فعلي لبنوده، وتبقى إسرائيل تفرض وقائع جديدة ميدانيًا مع استمرار المأساة الإنسانية، معتبرًا هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب.
أما السيناريو الثاني، بحسب عفيفة، فهو فرض التقسيم المؤقت، الذي قد تدفع نحوه الإدارة الأميركية عبر إنشاء "مناطق آمنة" تحت إشراف أممي وعربي، مع استمرار الإعمار دون حلٍّ سياسي شامل، وهو ما يعني ترسيخ السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة وتراجع الدور المصري والفلسطيني في إدارة القطاع.
ويطرح السيناريو الثالث احتمال نجاح الوسطاء الإقليميين – وخصوصًا قطر ومصر وتركيا – في الضغط على إسرائيل لإتمام انسحابها الكامل وفتح مسارٍ سياسي فلسطيني موحد، يُعيد للسلطة الفلسطينية دورها تدريجيًا ويُطلق عملية مصالحة داخلية حقيقية. إلا أن عفيفة يرى أن فرص تحقق هذا السيناريو تبقى ضعيفة إلى متوسطة في ظل تصلّب الموقف الإسرائيلي.
أما ياسر أبو هين فيشير إلى أن مستقبل الاتفاق "مرهون بتوازن دقيق بين الضغط الدولي على إسرائيل وبين قدرة الفلسطينيين على بناء توافق داخلي"، موضحًا أن أي غياب لهذا التوازن سيقود إلى "مرحلة رمادية طويلة تُدار فيها الأزمة دون حلول حقيقية".
ويضيف أن "الولايات المتحدة تميل إلى صيغة تقسيم مؤقت للقطاع إلى مناطق نفوذ مختلفة، وهو ما يُنذر بإعادة إنتاج الاحتلال بأدوات جديدة".
وفي المقابل، يلفت عادل ياسين إلى أن استمرار تجاهل إسرائيل لاستحقاقات الاتفاق ورفضها الانخراط في ترتيبات المرحلة الثانية قد يدفع نحو انهيار شامل للهدنة، ما لم تتدخل الأطراف الضامنة بضغط حقيقي يُلزم تل أبيب بفتح المعابر واستكمال الانسحاب. ويؤكد أن "الرهان على استقرار الهدنة دون تغيير في السلوك الإسرائيلي هو رهان خاسر، لأن الاحتلال يتعامل معها كاستراحة تكتيكية لا كالتزام سياسي".
ويخلص المحللون إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على إرادة المجتمع الدولي في فرض تطبيقه، وعلى قدرة الفلسطينيين في توحيد رؤيتهم للمرحلة المقبلة، فبين إدارة أزمة جديدة أو انفراج مشروط، تبقى غزة أسيرة التوازنات الهشة بين القوة والمصلحة، وبين هدنةٍ ممددةٍ واتفاقٍ يحتضر.