قائمة الموقع

على مرّ التاريخ ... لماذا تُصرّ "إسرائيل" على استعادة جثث قتلاها؟

2025-10-31T09:14:00+02:00
لماذا تُصرّ "إسرائيل" على استعادة جثث قتلاها؟

أعادت أزمة تسليم حركة "حماس" بقايا جثمان أسير إسرائيلي إلى تل أبيب الجدل مجددًا حول ملف الجثامين الإسرائيلية المحتجزة في قطاع غزة، إذ تؤكد سلطات الاحتلال أن 13 جثمانًا ما زالت بحوزة المقاومة، وتصرّ على استعادتها قبل المضي في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على توقيع الاتفاق الأخير، تواصل إسرائيل ربط أي تقدم سياسي أو ميداني بملف الجثامين، في وقتٍ يصف فيه مسؤولون أميركيون القضية بأنها "معقدة وصعبة الحل".

ويحمّل الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور محمود يزبك الاستخبارات الإسرائيلية مسؤولية الفشل الواضح في هذا الملف.

ويلفت الباحث والمحلل السياسي الدكتور أسامة أبو ارشيد إلى اللعبة السياسية لنتنياهو، معتبرا أن إسرائيل تستخدم الورقة كـ"مسمار جحا" لإعادة تعريف شروط الاتفاق.

ويتوقع المحلل الإستراتيجي في الحزب الجمهوري أدولفو فرانكو ضغطا أميركيا على إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية، مؤكدا أن الموقف الأميركي سيسود رغم الاختلافات مع الرؤية الإسرائيلية المتشددة.

هوس إسرائيلي بين الدين والسياسة

يتجاوز الإصرار الإسرائيلي على استعادة الجثامين البعد الإنساني، ليعكس معادلة دينية – سياسية راسخة في الثقافة الصهيونية. فـ"الديانة اليهودية تشدد على ضرورة دفن الميت"، وترى في ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق عقيدة "بعث الموتى عند مجيء المسيح المنتظر".

لكن مع تراجع الالتزام الديني في المجتمع الإسرائيلي، أصبحت الاعتبارات السياسية والاجتماعية هي المحرك الأبرز. فالعقد الضمني بين الإسرائيليين وحكومتهم يقوم على التزام الدولة بإعادة أبنائها، أحياء أو أمواتًا، مهما كلّف الأمر. وأي فشل في ذلك يُعد إخفاقًا سياسيًا يهدد شرعية الحكومة، ويستغلّه الخصوم لتقويضها.

منذ صفقة جلعاد شاليط عام 2011، التي أفرجت خلالها إسرائيل عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل جندي واحد، تغيّرت سياسات الاحتلال في التبادل. فبعد أن اعتبرت الصفقة حينها "صفقة وطنية مقدسة"، تبنّت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نهجًا أكثر تشددًا، خصوصًا بعد بروز بعض المحررين، مثل يحيى السنوار، في قيادة المقاومة لاحقًا.

وبحسب مراقبين، فإن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية تتعمد تأخير أي صفقة جديدة أو تقييدها، لتفادي منح حركة "حماس" أي نصر رمزي، رغم الإجماع الإسرائيلي، الديني والعلماني، على ضرورة استعادة الجثامين بأي ثمن.

في المقابل، تتعامل إسرائيل مع جثامين الفلسطينيين بعقيدة معاكسة تمامًا. حيث أعلنت الجهات الرسمية في قطاع غزة استلام 193 جثمانًا لشهداء فلسطينيين احتجزهم جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على القطاع، وذلك على دفعات متتالية، تضمّ عشرات الجثامين المجهولة الهوية التي لم يُتعرّف عليها بعد.

جثامين بلا ملامح، مقيّدة الأيدي ومعصوبة الأعين، تحمل على أجسادها شهادات صامتة على الإجرام المنهجي الذي مورس بحق أصحابها، في مشهدٍ يجسّد فصولًا جديدة من مأساةٍ لم تنتهِ بعد في غزة.

وفي التفاصيل، كشفت وزارة الصحة في قطاع غزة عن معطيات صادمة تتعلق بالجثامين التي سلّمها الاحتلال عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال الأيام الماضية، مؤكدة أن معظمها تحمل آثار تعذيب مروّع، وإعدامات ميدانية، وسرقة أعضاء بشرية.

وقال المتحدث باسم الوزارة إن الأهالي تعرفوا حتى الآن على 6 شهداء فقط من أصل 120 جثمانًا، مشيرًا إلى أن الوزارة أمهلت العائلات عشرة أيام إضافية للتعرّف على ذويهم قبل دفنهم في مقابر مؤقتة.

وأوضح أن فرق الطب الشرعي صُدمت بحالة الجثامين، إذ بدا على عدد كبير منها آثار تقييد بالأغلال وتعذيب شديد، فيما أظهرت نتائج التشريح أن بعض الشهداء أُعدموا من مسافة قريبة، بينما تُرك آخرون ينزفون حتى الموت داخل مراكز احتجاز إسرائيلية.

وأضاف المصدر أن قوات الاحتلال نهبت أعضاء بشرية من بعض الجثامين، بينها القرنية والكلية والكبد، مشيرًا إلى أن عمليات التشريح أثبتت استئصالًا دقيقًا ومنهجيًا للأعضاء بعد القتل، ما يدل على جرائم مركّبة تتجاوز كل القيم الإنسانية.

كما أكدت وزارة الصحة أن كلاب الاحتلال نهشت أجساد عدد من الشهداء الذين انتُشلوا من تحت الأنقاض في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش الإسرائيلي مؤخرًا، مشددة على أن هذه الممارسات تمثل إعدامات خارج القانون وتنكيلًا ممنهجًا بالأسرى والشهداء.

وأفادت مصادر حكومية وحقوقية بأن الفحوصات الطبية والتقارير الميدانية كشفت دلائل دامغة على ارتكاب الاحتلال جرائم إعدام ميداني وتعذيب وحشي بحق عدد من الشهداء، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.

وثقنا آثار شنق وحبال على أعناق عدد من الشهداء

ووثق المكتب الإعلامي الحكومي آثار شنق وحبال واضحة على أعناق عدد من الجثامين، وإطلاق نار مباشر من مسافة قريبة جداً، ما يؤكد عمليات إعدام ميداني متعمد".

كما وثّق أيدٍ وأقدام مربوطة بمرابط بلاستيكية، في مشهد يوثق عمليات تقييد قبل القتل، وعيون معصوبة وملامح تشير إلى تعرض الضحايا للاعتقال قبل إعدامهم.

وأكد المكتب الحكومي أن هناك جثامين سُحقت تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية في انتهاك فاضح لكل القوانين الدولية، مشيرا الى أن آثار تعذيب جسدي شديد واضحة على العديد من الجثامين، بما في ذلك كسور وحروق وجروح غائرة.

وشدد على أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني، وتؤكد أن الاحتلال استخدم سياساته الإجرامية في القتل خارج نطاق القانون والتصفية الجسدية للمعتقلين والمدنيين الفلسطينيين.

ودعا المكتب الحكومي إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة عاجلة للتحقيق في هذه الجرائم البشعة التي ارتكبها الاحتلال، ومحاسبة قادته على جرائم الحرب التي ارتكبوها ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.

سرقة أعضاء بشرية 
 

وأكّد مكتب إعلام الأسرى أن الشواهد الطبية والميدانية التي رافقت تسليم الاحتلال الإسرائيلي جثامين عدد من الشهداء خلال الأسابيع الأخيرة، تمثل دليلًا قاطعًا على تصاعد الجرائم الممنهجة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، الذين ارتقى عدد منهم بعد اعتقالهم داخل معسكرات الاحتلال في قطاع غزة، في ظروفٍ تمثل جريمة إعدام جماعي خارج إطار القانون.

وأوضح المكتب، استنادًا إلى إفادات الأطباء واللجان المختصة، أن العديد من الجثامين التي سُلّمت مؤخرًا كانت مكبّلة الأيدي والأرجل وتظهر عليها آثار تعذيبٍ وحشيٍّ، وتعصيبٍ للأعين، وحروق، ودهسٍ بمجنزرات الاحتلال، ما يؤكد أن بعض الشهداء أُعدموا ميدانيًا بدمٍ باردٍ بعد اعتقالهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة.

وأشار المكتب إلى وجود مؤشرات خطيرة لاحتمالية سرقة أعضاء بشرية من بعض الجثامين، واصفًا ذلك بأنه جريمة تتجاوز حدود الإنسانية وتكشف عن سلوكٍ إجرامي منظم يمارسه الاحتلال ضمن سياسةٍ ممنهجة تستهدف الجسد الفلسطيني حيًا وميتًا، وبشكل خاص أسرى غزة الذين يتعرضون منذ بدء حرب الإبادة لأبشع أشكال القتل والتعذيب والإخفاء القسري.

وأكد المكتب أن استمرار الاحتلال في احتجاز جثامين الشهداء، ومن ضمنهم الأسرى الذين استُشهدوا داخل السجون أو بعد الاعتقال الميداني، يمثل امتدادًا لسياسة استعمارية تسعى للهيمنة على الجسد الفلسطيني وسلب كرامته حتى بعد استشهاده.

بدورها، قالت حركة المُقاومة الإسلامية "حماس"، إن المشاهد المروّعة التي ظهرت على جثامين الشهداء التي سلّمها الاحتلال، وما بدا عليها من آثار التعذيب والتنكيل والإعدامات الميدانية، لتكشف بوضوح عن الطبيعة الإجرامية والفاشية لجيش الاحتلال.

وأكدت "حماس" في تصريح صحفي، أن ما كشفته التقارير  الطبية يعكس حجم الانحطاط الأخلاقي والإنساني الذي بلغه هذا الكيان، الذي لا يفرّق في عدوانه بين الأحياء والأموات من أبناء شعبنا؛ وهي بذلك تُشكّل جريمةً بشعةً ترتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية بحقّ شعبنا الفلسطيني.

ودعت "حماس" المؤسسات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها الأممُ المتحدة ومجلسُ حقوقِ الإنسان، إلى توثيق هذه الجرائم البشعة وفتحِ تحقيقٍ عاجلٍ وشاملٍ فيها، وتقديمِ قادةِ الاحتلال للمحاكمة أمام المحاكم الدولية المختصّة، باعتبارهم مسؤولين عن ارتكاب جرائمَ ضدّ الإنسانيّة غيرِ مسبوقةٍ في تاريخنا المعاصر.

مقابر الأرقام.. شواهد بلا أسماء

في الضفة الغربية أيضًا، يستمر الاحتجاز. وتشير "الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء" إلى أن الاحتلال يحتجز حتى مطلع عام 2025 أكثر من 735 جثمانًا، بينهم 67 طفلًا و10 نساء، فيما يُدفن 256 منهم في "مقابر الأرقام" دون أسماء أو علامات هوية.

وتتواصل في مدن الضفة مظاهرات لعائلات الشهداء تطالب باسترداد الجثامين ودفنها بكرامة، بينما تواصل إسرائيل تبرير تأخير التسليم بـ"اعتبارات أمنية وسياسية".

اخبار ذات صلة