قضى المهندس الفلسطيني (س.م) أكثر من عشرين عاماً في دولة أبو ظبي، يعمل كمهندس في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا، قبل أن يلقى قراراً مفاجئاً يطلب فيه مغادرة الدولة خلال أيام مع عائلته، وهو ما استجابة له سريعاً، بعد أن أدلى بتعليق أمام زملائه داخل مقر عمله حول مشروب "Pepsi" قائلاً :"بيبسي مقاطعة"، في إشارة إلى حملة المقاطعة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب الحرب في غزة.
بحسب المصادر الصحافية، فإن هذا التعليق الذي بدا تلقائياً أمام الحضور داخل إحدى المؤسسات الحكومية في الإمارة، لفت انتباه الحضور ثم الجهات الأمنية، فاستدعي (س.م) بعد يومين فقط إلى مقر جهة أمنية في أبوظبي وأُخبر بأنه سيتوجّب عليه مغادرة الدولة خلال وقت قصير.
أكّدت تقارير إعلامية أنه اضطر إلى تصفية أعماله، وسحب أولاده من مدارسهم، ثم المغادرة إلى الأردن التي يحمل فيها جواز سفر مؤقّتاً.
الحالة توضح كيف يمكن لعبارة عفوية في احتفال عمل أن تتحول إلى إجراء ترحيل، في دولة تشدّد على تشغيل المقيمين بموجب تراخيص قانونية واضحة، وتتجه إلى تعزيز مراقبة قانونيّة الإقامة أو العمل للوافدين — حيث أظهرت بيانات رسمية أن أول ستة أشهر من عام 2025 شهدت أكثر من 32 ألف مخالفة لقانون الإقامة والعمل، مع نسبة كبيرة من الترحيلات الفعلية.
وضع (س.م) – بحسب المعلومات المتاحة – يطرح عدداً من الإشكالات: أولاً، إمكانية حرية التعبير للمقيمين داخل دولة الإمارات، وثانياً، طبيعة الإجراءات التي تتّبعها الدولة عند تعبير المقيمين عن مواقف سياسية أو رمزية.
منظمة حقوق الإنسان "Alkarama" أصدرت تقريراً عام 2024 أكّدت فيه أن عدداً من المقيمين من جنسيات عربية، ومن بينهم فلسطينيون، تم استدعاؤهم أو ترحيلهم بعد مشاركة أو نشر مواقف تضامنية مع غزة.
رغم أن التقارير التي وثّقت حالة (س.م) تنقل ما جرى لكنها لا تقدم وثائق رسمية منشورة أو تصريحات من جهات حكومية تعلّق على الحادثة بشكل علني.
شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة، شأنها شأن عدد من دول الخليج، موجة مقاطعة شعبية واسعة للمنتجات الغربية عقب تصاعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وتوسّعت الحملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتشمل عشرات العلامات التجارية، من بينها شركات كبرى مثل "ماكدونالدز" و"ستاربكس" و"بيبسي" و"كوكاكولا" و"كنتاكي" و"برغر كينغ"، إلى جانب بعض الشركات الإماراتية العاملة بترخيص من تلك العلامات العالمية.
ورغم عدم صدور قرارات حكومية رسمية في الإمارات تدعو للمقاطعة، إلا أن التفاعل الشعبي على المنصات الرقمية – خصوصاً "إكس" و"إنستغرام" و"تيك توك" – أظهر تغيّراً في المزاج الاستهلاكي، إذ بدأ المستهلكون في البحث عن بدائل محلية أو عربية للعلامات الأميركية، في خطوة تحمل بعداً سياسياً وإنسانياً تضامناً مع غزة.
وفقاً لتقارير صحيفة The National الإماراتية ووكالة رويترز، فإن المقاطعة الشعبية انعكست على تراجع نسبي في مبيعات المشروبات الغازية الغربية في عدد من أسواق الخليج، ومنها الإمارات، حيث برزت شركات تعبئة محلية مثل "Dubai Refreshments Company" (الوكيل الحصري لبيبسي في الإمارات) ضمن دائرة الاهتمام، كونها تعمل تحت امتياز من الشركة الأميركية الأم.
كما رصدت حملات المقاطعة الرقمية التي انطلقت من الكويت وقطر والأردن، وجدت صدى في الإمارات، مع انتشار وسم قاطع من أجل غزة ووسوم مشابهة، ركّزت على الشركات التي يُعتقد أنها تموّل أو تدعم إسرائيل بطريقة مباشرة أو عبر مؤسساتها الأم.
وفي حين تلتزم الشركات الإماراتية الصمت تجاه الحملة، فإنّ مراقبين اقتصاديين أشاروا إلى أن المقاطعة "تحولت من حالة رمزية إلى تأثير فعلي على أنماط الشراء في الأسواق"، وأنها "أظهرت وعياً متزايداً لدى المستهلك الخليجي حول ارتباط المال بالسياسة".
تُعدّ حالة “بيبسي الإمارات” نموذجاً لهذا التداخل بين البعد الاقتصادي والسياسي، فالشركة محليّة في إدارتها ورأسمالها، لكنها تُعتبر واجهة لعلامة تجارية أميركية عالمية، ما جعلها في قلب الجدل رغم عملها ضمن القوانين الإماراتية وابتعادها عن أي تصريحات سياسية