خاص /شهاب
لا تزال الأزمة الغذائية في قطاع غزة مستمرةعلى الرغم من أن أدوات التجويع تغيّرت لتأخذ أشكالًا أقل وضوحًا وأكثر دهاءً من ذي قبل.
إذ تعاني الأسواق من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية مثل اللحوم، البقوليات، والخضروات، بينما يسمح الاحتلال بدخول سلع محدودة تحتوي على نسب عالية من السكريات والدهون والكربوهيدرات، ما يرفع الوزن الظاهري للسكان دون أن يعالج سوء التغذية الحقيقي.
فى هذا السياق يقول الناشط الحقوقي عبد الله شرشرة تفاصيل صادمة حول الواقع الغذائي في القطاع يقول :" لقد فقدت 20 كيلوغرامًا من وزني خلال شهور الحرب، لكن وزني الآن يرتفع لأنني مجبر على تناول أطعمة تحتوي على نسب دهون وسكريات مرتفعة. إنها غير صحية، لكنها ما يسمح الاحتلال بدخوله. هذه الأطعمة لا تعوّض عن نقص البروتين أو الفيتامينات أو المعادن الأساسية، ولا تمنع سوء التغذية الحقيقي."
وأضاف شرشرة: "إنهم يجبروننا على رفع أوزاننا بشكل ممنهج، حتى يثبتوا للأمم المتحدة أن المجاعة قد انتهت، بينما تمنع دخول اللحوم إلا بكميات ضئيلة جدًا، ويغرقون الأسواق بمنتجات مثل جبنة الموزاريلا والقهوة والشوكولاتة الفاخرة."
وتابع: "هذه أساليب من العنف البنيوي والعقاب الجماعي. إنه توحّش منظم يتم من خلال مجموعة من الأشخاص الذين يعرفون تمامًا ماذا يفعلون. يجب أن يدرس ذلك في أدبيات الإبادة الجماعية، ويكتب عن هذه الأساليب على نطاق واسع."
تعكس شهادته الشخصية حجم المعاناة اليومية لسكان غزة، الذين يضطرون لتناول أطعمة غير مغذية، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي انهيارًا شبه كامل. فقد أعلنت المستشفيات عن نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، فيما تبقى رفوف الصيدليات فارغة، وتعمل الفرق الطبية بأدوات محدودة للغاية لمواجهة موجات الأمراض وسوء التغذية المتزايدة.
فقر المغذيات
أظهرت دراسة نشرتها مجلة Discover Public Health في يونيو 2025 أن التنوع الغذائي في قطاع غزة تراجع إلى أدنى مستوياته منذ بداية الحرب، إذ يعيش السكان على أطعمة فقيرة بالمغذيات وغنية بالدهون والنشويات، نتيجة لانهيار القطاع الزراعي وتدمير مصادر الغذاء المحلية.
وأكدت الدراسة أن معظم الأسر تعتمد اليوم على المعلبات والمعجنات والزيوت النباتية والسكر كمصدر رئيسي للطعام، في حين تندر الفواكه والخضروات واللحوم ومنتجات الألبان. وأشارت إلى أن هذا النمط الغذائي يضمن "الحد الأدنى من البقاء" دون أن يوفر العناصر الضرورية للحفاظ على الصحة، مما أدى إلى انتشار فقر الدم وضعف المناعة والهزال لدى شرائح واسعة من السكان، خصوصًا الأطفال والنساء.
وخلصت الدراسة إلى أن الوضع القائم يمثل نموذجًا للتجويع البطيء والممنهج، إذ يُستخدم الحصار والقيود على الغذاء كوسيلة لإضعاف المجتمع الفلسطيني بدنيًا ونفسيًا، رغم عدم انقطاع الإمدادات الغذائية بشكل كامل.
في يوليو 2025، نشرت المجلة الإسرائيلية لسياسات الصحة (Israel Journal of Health Policy Research) تقريرًا موسعًا حول نوعية الطعام الذي تم إدخاله إلى غزة خلال الحرب. وبيّن التقرير أن القيمة الحرارية للطعام المورّد بالكاد تكفي لإبقاء السكان على قيد الحياة، لكنها لا تحقق الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية التي يوصي بها خبراء الصحة العامة.
وأشار معدّو التقرير إلى أن معظم المساعدات الغذائية تحتوي على سعرات حرارية مرتفعة ناتجة عن الدهون والسكريات، لكنها تفتقر إلى الحديد، الزنك، البروتينات، والفيتامينات الأساسية، وهو ما يخلق جوعًا خفيًا، حيث لا يشعر الإنسان بالجوع الحاد لكنه يعاني من تدهور مستمر في وظائفه الحيوية.
وأكدت الدراسة أن هذا النمط من المساعدات يمثل تحولًا في أساليب الحصار الإسرائيلي، إذ يتم التحكم في “نوعية” الطعام المسموح به بما يُبقي السكان في حالة إنهاك صحي طويل الأمد، دون أن يبدو الوضع خارجيًا كـ"مجاعة كاملة".
"تسد الجوع لكنها لا تغذي الجسم"
من جانبها أطلقت منظمة الصحة العالمية في شهري يوليو وأغسطس 2025 تحذيرات شديدة اللهجة من انهيار الوضع الغذائي في قطاع غزة، مؤكدة أن مؤشرات سوء التغذية بلغت مستويات كارثية وغير مسبوقة.
وأوضحت المنظمة أن آلاف الأطفال والنساء الحوامل يعانون من نقص حاد في الحديد وفيتامين A والزنك، مما تسبب في انتشار أمراض النقص الغذائي والهزال وضعف المناعة. ووصفت المنظمة الوضع بأنه "يماثل المراحل الأخيرة من المجاعة"، مشيرة إلى أن سكان غزة يحصلون على أطعمة "تسد الجوع لكنها لا تغذي الجسم"، وهو ما انعكس على ارتفاع معدلات الوفاة بين الأطفال دون الخامسة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن استمرار القيود على دخول المواد الغذائية الأساسية والأدوية يشكّل خرقًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، وأن الوضع الحالي يرقى إلى "إبادة بطيئة عبر التجويع".
فيما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تقرير صدر في يونيو 2024 من أن أكثر من 90% من أطفال قطاع غزة لا يحصلون على الحد الأدنى من المجموعات الغذائية الخمس الأساسية، مشيرة إلى أن غذاء الأطفال يعتمد اليوم بشكل شبه كامل على الخبز، الأرز، الزيوت النباتية، والمعلبات.
وأوضحت المنظمة أن هذا النظام الغذائي أدى إلى زيادة حادة في معدلات التقزم، نقص المناعة، وضعف التركيز لدى الأطفال، معتبرة أن "الأطفال في غزة يعيشون على طعام يبقيهم أحياء جسديًا لكنه يدمّر نموهم الجسدي والعقلي".
وأشارت اليونيسف إلى أن استمرار الحرب والحصار أدى إلى انهيار منظومة التغذية المدرسية وبرامج الدعم الغذائي، مما جعل معظم الأسر غير قادرة على تأمين أي بديل صحي لأطفالها.
و كشف تحليل الأمن الغذائي العالمي (IPC) الصادر في أغسطس 2025 أن قطاع غزة دخل رسميًا مرحلة "المجاعة المؤكدة"، بعد تجاوز كل مؤشرات الانهيار الغذائي.
وأوضح التقرير أن أكثر من 80% من سكان القطاع يعانون من نقص خطير في البروتينات والمعادن الأساسية، وأن النظام الغذائي يعتمد بشكل شبه كامل على الكربوهيدرات الرخيصة والدهون النباتية كمصدر للطاقة.
وأشار التحليل إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يتحكم بدقة في نوعية السلع المسموح بدخولها إلى غزة، إذ يُسمح بمرور مواد تمنح السعرات الحرارية فقط، بينما تُمنع الأغذية الغنية بالفيتامينات والعناصر البنائية للجسم. واعتبر التقرير أن هذه السياسة تمثل استخدامًا ممنهجًا للغذاء كسلاح حرب، يهدف إلى إبقاء السكان في حالة بقاء قسري دون تمكينهم من استعادة عافيتهم الجسدية، وهو ما وصفه الخبراء بـ"الإبادة الصامتة".
إبادة بطيئة باستخدام الغذاء
تشير جميع البيانات والشهادات إلى أن ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة غذائية، بل إبادة بطيئة باستخدام الغذاء كأداة ضغط، مستمرة منذ سنوات، مع تأثيرات كارثية على الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة. وتجربة عبد الله شرشرة الشخصية تؤكد حجم المعاناة اليومية، بينما الدراسات والتقارير الدولية توفر دليلاً علميًا وتحليليًا موثقًا على السياسات الممنهجة التي تهدف لإضعاف المجتمع الفلسطيني بدنيًا ونفسيًا.
ويشير مراقبون إلى أن هذه السياسة الغذائية تمثل محاولة واضحة من إسرائيل لمحو صورة المجاعة الحقيقية التي ظهرت بالصور والتقارير الميدانية، خاصة في ظل الضغط الدولي المتزايد لدخول الصحافة والمنظمات الإنسانية إلى غزة. فبينما توثق الصور انتهاكات الحصار وانعدام الغذاء الصحي، تعمل إسرائيل على إدارة الانطباعات أمام العالم عبر السماح بدخول سلع تمنح السعرات الحرارية فقط، ما يرفع الوزن الظاهري للسكان ويعطي انطباعًا زائفًا بانتهاء الأزمة.
ويعتبر الخبراء أن هذا الأسلوب يُستخدم لتضليل الرأي العام الدولي، وإخفاء آثار الجريمة على السكان، رغم استمرار سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية، وهو ما يمثل شكلًا من أشكال العنف البنيوي والإبادة البطيئة.